صحيح أن من ميديا الإعلام في أميركا ــ صحافة وتلفزة التابلويد كما نسميها ــ ما لا يزال يتعامل مع التسريبات الإلكترونية التي قدمها موقع «ويكيليكس» الإلكتروني بمنطق الإثارة سواء ترجموا هذه الإثارة إلى عمليات تنديد أو شماتة أو رفض مسبق يصل إلى درجة التهجم بل والتجريح في بعض الأحيان.

إلا أن الأصح هو أن بوسع الدارس أو الناقد المحايد أن يلتمس تحليلات أكثر رصانة وأهدأ نبرة في التعامل مع أسلوب إدارة السياسة الخارجية لواشنطن، وهو أمر يمكن أن يطرح دروسا مستفادة بالنسبة لأبناء العالم الخارجي ؟ العالم الثالث بالذات سواء اطلعوا على هذه الدروس من موقع الدارس المحلل أو الدبلوماسي الممارس دع عنك موقع راسم الاستراتيجيات أو صانع القرار.

المسؤولية العالمية

من هنا فنحن نهتم مثلا بالدراسة التي نشرها البروفيسور «ستيفن كراسنر» أستاذ العلاقات الدولية في ستانفورد، وهي من الجامعات المرموقة بالولايات المتحدة، بشأن المبادئ التي يراها لازمة لكي تلهم السياسة الأميركية الخارجية.. (مجلة بوليسي ريفيو ؟ عدد نوفمبر ‬2010).

في هذه الدراسة يحلل الأستاذ «كراسنر» أهمية السياسة الخارجية لأي دولة ؟ فما بالك إذا كانت دولة كبيرة بل دولة كبرى ما برحت بصورة أو بأخرى تتبوأ مكانة القطب الأوحد في عالمها، لا من حيث أبهة المنظر أو أضواء الإعلام ولكن بالدرجة الأولى من حيث المسؤوليات الجديرة بمن يتولى ضبط الإيقاع العام لعالم صاخب وبما يحقق أصلا المصالح القومية للكيان المذكور.

ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية على تجنب العشوائية في إدارة وتوجيه السياسة الخارجية لبلاده.. فضلا عن تحاشي حكاية (أو خرافة) إدارة هذا الشأن الدولي بكل تعقيداته سواء على أساس يوم بيوم.. أو أساس الاقتصار على إطفاء الحرائق كلما اندلعت بمعنى رفضه أسلوب رد الفعل الذي يفتقر إلى المبادرة والتصور المسبق والتحقق في ما عسى أن تؤول إليه الأوضاع والتطورات من عواقب أو عقابيل.

 

ضرورة الاستراتيجية

وعند الأستاذ الأميركي ينبغي للدولة العصرية أن تصدر في سياستها الخارجية عن استراتيجية تحوز إجماعا أو توافقا بين آراء ذوي العلاقة ؟ أصحاب المصلحة كما تقول الأدبيات السياسية المعاصرة.. قبل أن يدفعوا بها إلى صفوة الاختصاصيين من أجل استيعابها ومن ثم بلورتها في خطوط عريضة تشكل فيما بينها معالم الاستراتيجية المنشودة بعد أن تتحدد، في تصور البروفيسور ستيفن كراسنر، في الخطوط السبعة التالية:

(‬1) فهم دقيق للبيئة الدولية السائدة بكل أبعادها السلبية والإيجابية.

(‬2) رؤية ثابتة تتصور مسبقا - قدر الاستطاعة - ما يمكن أن تؤول إليه أوضاع هذه البيئة: تشكيل النظم الدولية.. ونوعية الفرص المتاحة أمام الدول الأخرى وسبل التأثير على أوضاع السلطة الداخلية في تلك الدول الأخرى (لاحظ أن الحديث هنا عن السياسة الخارجية لكيان عالمي وقطب ما زال وحيدا أو شبه وحيد على خارطة العالم اسمه أميركا!)

(‬3) وضع مجموعة من السياسات (أو البرامج) التنفيذية التي من شأنها ترجمة هذه الرؤى إلى حقائق وأوضاع في أرض الواقع.

(‬4) قدرة استشرافية ــ استباقية كما قد نسميها ــ يمكن بفضلها تحديد نوعية السياسات التي تتيح التعامل مستقبلا مع التحديات غير المنظورة بمعنى تلك التي تنشأ خارج الحسابات والتوقعات.

(‬5) هيكل تنظيمي تضمه أجهزة الدولة مزود بإمكانية تنفيذ تلك السياسات.

(‬6) موارد مرصودة وقاعدة تأييد داخلية لتلك السياسات وطبعا للاستراتيجية التي تنطلق على أساسها.. وهو ما يضّم بداهة إمكانيات مادية من ناحية وتعبئة برلمانية وإعلامية وتثقيفية جماهيرية تتم على أساس المصالح الوطنية العليا من ناحية أخرى.

(‬7) الحرص على حشد التأييد الخارجي كي يواكب، ومن ثم يؤازر، هذا التأييد الداخلي.. ففي عالم متشابك من حيث المصالح.. شديد التفاعل والتمازج والتداخل في دنيا الثقافة والإعلام ــ لا يمكن إدارة أو تنفيذ سياسة خارجية لأي دولة في الفراغ.. دون أن يوضع في الاعتبار.. في عمق وفي رشد وبمنطق الشراكة أو المبادلة، مصالح الأطراف الأخرى القائمة على الساحة الدولية.

من هنا جاءت الدعوة في هذا البند السابع ؟ الأخير من استراتيجية السياسة الخارجية لبلد كبير في حجم الولايات المتحدة، إلى أن لا تكتفي واشنطن بما تملكه أو ما تتمتع ؟ أو تنفرد به من مكانة القطب الوارث لترِكة الحرب الباردة.. أو لغياب أو زوال الخصم السوفيتي الذي كان، أو المالك لقوى خشنة جبارة من حيث المنعة العسكرية أو الاقتصاد المتماسك (أو الذي لا يزال متماسكا رغم أعاصير الأزمة المالية)، هذا فضلا عن القوى الناعمة كما سبق وأسماها البروفيسور «جوزيف ناي» وهو بدوره أستاذ في أصول الحكم في جامعة هارفارد .

ــ وقد أصبحت تعني بداهة قوى الإعلام والثقافة والسلوك والبحث العلمي والإبداع التقني ــ كل هذا لا يغني في نظر الاستراتيجية التي نعرض لمعالمها في هذا المبحث ــ عن ضرورة التماس شركاء أو فعاليات لها دورها في إطار النظام الدولي الراهن بحيث تجمع بينها وبين واشنطن شراكة الرؤية ومن ثم يكون تأييدها أو مؤازرتها أمرا مضمونا إذا لزم الأمر حتى ولو جاءت مساهمتها متواضعة أو محدودة بصورة أو بأخرى.

 

تقارير الاستخبارات

على الجانب الآخر من هذه المعادلة.. نرصد في تحليلنا الراهن ما يذهب إليه الفريق الآخر من دارسي «الحالة» الأميركية الراهنة من ضرورة عدم الانطلاق من حيث التسليم بأن أميركا ستظل متمتعة بمكانة القطب العالمي الأوحد إلى أمد قد يطول سنوات عديدة من هذا القرن الحادي والعشرين.

من هنا، وفي دراسة أخرى (منشورة في دورية الشئون العالمية «وورلد أفيرز»، عدد ديسمبر ‬2010) يطرح الدبلوماسي المخضرم «إيريك إيدلمان» وكان آخر مناصبه هو سفير أميركا في تركيا قراءته في التقارير الصادرة عن مؤسسة سياسية بالغة الأهمية تحمل العنوان التالي: «مجلس الاستخبارات القومي»، وتحمل هذه التقارير عنوانها المعروف وهو: «التيارات العالمية».

في هذا السياق، يسترعي اهتمام وعجب السفير الأميركي الباحث تلك المتغيرات التي طرأت على تحليلات، وتقارير المجلس المذكور.. وعلى مدار فترة قصيرة حقا من الزمن بالنسبة لرصد متغيرات السياسة والوضع الدولي (العولمي إن شئت) للولايات المتحدة.

هنا تعمد دراسة السفير التي تحمل عنوان «مكانة أميركا المختلف عليها» إلى عقد مقارنة نراها طريفة سياسيا بين تقرير عام ‬2004 وتقرير عام ‬2008.

والمعنى أن الفارق الزمني بين تقريري مجلس الاستخبارات الأميركي القومي لا يزيد بداهة عن ‬50 شهرا أو أقل. والمعنى أيضا أن العالم خلال هذه السنوات الأربع لم يشهد، فيما نعرف، تطورات مذهلة أو بارزة أو متغيرات جذرية في أوضاعه لدرجة أحدثت ذلك الفارق الذي رصده السفير إيدلمان على النحو التالي: تقرير عام ‬2004 انتهى إلى خلاصة مفادها ــ كما يقول السفير ــ أن الولايات المتحدة سوف تواصل في المستقبل شغلها لمكانة الهيمنة على صعيد النظام الدولي الراهن.

وقد يكون الأمر مفهوما على ضوء ما ترامى من أخبار ومعلومات وتحركات سياسية أكدت أولوية ما يصدر عن واشنطون مقارنة بسائر القوى العالمية الأخرى سواء اتفقنا أو اختلفنا مع المنطلقات والتوجهات والنتائج التي أسفرت عنها.

 

بعد ‬4 سنوات

لكن غير المفهوم من الوهلة الأولى أن يصدر عن نفس المؤسسة، وبعد ذلك بأربع سنوات فقط، تقرير يضم تصورا مغايرا تماما وخاصة حين يعتمد التقرير الثاني ــ الصادر عام ‬2008 ــ منطق الاستشراف الذي يمتد إلى عام ‬2025.

وهنا تقول سطور التقرير المذكور بالحرف ما يلي: إن النظام الدولي ؟ على نحو ما تمّت به بلورة أوضاعه في أعقاب الحرب العالمية الثانية - سوف تختفي معالمه أو تكاد لدرجة أن لا يكاد يتعرف عليه أحد بحلول عام ‬2025، لأنه سوف يكون نظاما قائما على تعددية الأقطاب في عالم تلك الفترة حيث تضيق باطراد الثغرات الفاصلة في القدرات الوطنية بين الأقطار المتقدمة والأقطار النامية....

ما الذي تغير إذن خلال تلك السنوات القليلة الفاصلة بين تقييم عام ‬2004 ونظيره الصادر في عام ‬2008؟

سؤال طرحه الدبلوماسي الأميركي المحنك ليحاول إجابته على النحو التالي:

ثمة تطورات استجدت ما بين حروب العراق وأفغانستان فما بالك بما طرأ من صعود يبدو مطردا لمجموعة الدول التي أصبحت تعمل اسم بريكس (وهي البرازيل + روسيا + الهند + الصين).. هذا فضلا عن وقوع الأزمة المالية العالمية.. إن هذه التطورات وغيرها ألقت ظلالاً على وضع أميركا القيادي سواء على مستوى الداخل أو على صعيد الخارج..

ومن ثم فإن الفلسفة السياسية المستجدة في عالمنا بدأت تتساءل عما إذا كان النظام العالمي الذي نشأ بعد عام ‬1989 قد فشل أو تداعت قوائمه.. وما إذا كان ذلك السعي من جانب واشنطن إلى شغل مكانة الصدارة في عالمنا قد أصبح أمرا بعيد المنال ــ رغم أنها ظلت مسيرة لم تنقطع عنها أميركا في ظل ‬3 رؤساء توالوا على البيت الأبيض على مدار تلك السنوات الواحدة والعشرين.

 

ما بعد سور برلين

وبديهي أيضا أن ما يُقصد بنظام ما بعد عام ‬1989 هو ذلك الذي أشار إليه الرئيس الأسبق جورج بوش الأب بعد حرب تحرير الكويت في مطلع التسعينات وهي الفترة التي أعقبت مباشرة عام ‬1989 الذي شهد ــ كما هو معروف ــ انهيار سور برلين الشهير ومن ثم لاحت يومها بوادر الوهن والتصدع في الكيان الشيوعي المنافس الذي كان يجسده الاتحاد السوفييتي.

 ومن ثم جاءت إشارة الرئيس بوش إلى قيام نظام عالمي جديد.. مع تلميح مضمّر بأن سوف تقوده الولايات المتحدة الأميركية الطرف العربي الذي كان جديرا بأن يحصد ثمار الحرب الباردة وارتياح شعوب الشرق الأوسط بعد حرب الكويت.

وقد حققت أميركا بذلك مكانة القطب العالمي الواحد التي ظلت تتمتع بها على مدار عقد التسعينات ولا سيما في حقبة بيل كلينتون التي شهدت ازدهارا اقتصاديا وصل إلى حدود البطر Excess من حيث الإسراف في الاستهلاك على نحو ما سّجلته مجلة تايم الأميركية.. ولكن مع تحقيق فائض محسوب بمليارات الدولارات في الميزانية القومية الأميركية في ختام رئاسة كلينتون الثانية والأخيرة ومع مطلع ألفية ثالثة من عمر العالم الذي نعيش فيه.

مع ذلك فالدنيا تتغير والأوضاع العالمية تتبدل. وتلك بديهية تجسدها بالطبع سنن الحياة ونواميس التطور.

 

المنافسون ومشاكلهم

ورغم أن دراسة السفير «إيدلمان» لا تعرض إلى ما أصاب الكيان الأميركي من تصدعات على مدار السنوات الثماني الأولى من القرن الواحد والعشرين وكأي دبلوماسي ضليع يحرص السفير الأميركي على قدر ملحوظ من التوازن المرهف في المقولات التي طرحتها دراسته بشأن مكان أو مكانة أميركا في مستقبل الأيام.

فمن ناحية تسلم الدراسة بأن البيئة الدولية التي ما زالت تتحدد وتتبلور معالمها في أيامنا الحالية من المرجح أن تكون مختلفة سواء عن تنبؤات عام ‬2008 بنهاية عصر الهيمنة ــ أو فلنقل المكانة السابقة لأميركا ــ وأيضا عن تنبؤات عام ‬2004 باستمرار هذه الهيمنة ومن موقع القطب الوحيد في العالم.

في هذا الخصوص تقول دراسة السفير الأميركي: يبدو من الأرجح أنه رغم ما يلوح أمامنا من تدهور في القوة (أو المَنعة) الأميركية، إلا أن هذه الظاهرة سوف تترك أميركا أيضا وهي تنعم بموقع الفاعل القوي في النظام الدولي وإن كان صعود دول أخرى، إضافة إلى انتشار الأسلحة النووية في المناطق الرئيسية (الحيوية) من العالم من شأنه بدوره أن يضع أمام أميركا تحديات صعبة إزاء هذه المكانة التي ترنو إلى استمرارها.

من الناحية الأخرى لا تتردد الدراسة التي عرضنا لها من إيضاح أن المسيرة ليست ميسورة والطريق ليس مفروشا بالورود أمام القوى المنافسة المحتملة: اليابان لديها صعوبات اقتصادية فما بالك بمنافسها الصيني، والصين لديها مشاكل داخلية منها مثلا قضايا الأقليات والعنف المحلي ــ وهو ما قد ينطبق أيضا على الهند وروسيا والبرازيل وبما ينال كثيرا من الاستقرار السياسي على صعيد كل منها..

وحتى الحليف، وهو بالطبع المنافس الأوروبي.. لديه تحديات اقتصادية لا تلبث أن يندلع أوارها في هذا البلد أو ذاك من أعضاء الاتحاد الأوروبي وهو ما يحول بين الاتحاد المذكور وبين إمكانات الاستيعاب الصحيح والصحي لأعضائه ضمن كيان دينامي فاعل يصمد أمام المنافسة، فما بالك بمنافسة أميركا عبر ساحات المحيط.

القطب الأوحد من الصعود إلى الأفول

التسريبات الإلكترونية التي ذاعت مؤخرا أدت إلى معاودة النظر في السياسة الأميركية الخارجية وفي آفاق إدارة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة. وفي إطار هذه الجهود طرحت دراسات مهمة في الدوريات الرصينة المعنية بأمور السياسة والاقتصاد والشأن الدولي، وكلها تمعن من منظور التأمل، في تدارس ماضي ومستقبل مكانة أميركا ضمن عالم القرن الواحد والعشرين.

وبعد المكانة التي سبق وأن حققتها واشنطن في ختام عقد الثمانينات، وبعد انهيار سور برلين رمزا للتصدع ومن ثم لزوال الخصم السوفيتي الذي كان غريما صعب المراس خلال صراعات الحرب الباردة التي امتدت أكثر من أربعين عاما، وبعدها نعمت واشنطن.

وخاصة بعد دورها الإيجابي في حرب تحرير الكويت، بمكانة القطب الوحيد في العالم على مدار عقد التسعينات وعبر حقبتي الرئيس بوش ــ الأب والرئيس بيل كلينتون. وقد انعكس هذا الموقع السوبر ــ مهم في تصدّر واشنطن مسير ومصير السياسة العالمية. ولكن مع سنوات العقد الأول من القرن الحالي، كان لا بد من تقييم وإعادة تقييم أبعاد وآفاق هذه المكانة .

حيث تشير تقارير مجلس الاستخبارات القومي في الولايات المتحدة في عامي ‬2004 و‬2008 فضلا عن استشراف التطورات السياسية العالمية في عام ‬2025، إلى ما سيطرأ على هذه المكانة من تحولات، بمعنى أن تتحول أميركا إلى العيش وسط عالم متعدد الأقطاب بحيث لا تنفرد سياستها الخارجية بمقاليد الأمور في ساحة العالم. وخاصة بعد صعود مجموعة بريكس (التي تضم كلا من البرازيل والهند وروسيا والصين) إلى جانب وجود المنافس الياباني والمنافس المتمثل في الاتحاد الأوروبي وإن كانت الدراسات الأميركية تؤكد ما تواجهه هذه الأطراف المنافِسة من صعوبات.

وتأتي الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من عمق القطب الأوحد الأميركي لتضرب أركان هذه الإمبراطورية ضربات مبرحة، فقد ربط جميع المؤرخين صعود الامبراطوريات العالمية في التاريخ بقدراتها الاقتصادية والعسكرية معا، وهذه القاعدة تنطبق علي الامبراطورية الأميركية، فالانهيار الاقتصادي الحالي ضرب معظم جوانب الاقتصاد والحياة الأميركية في «التوظيف» وفقدان الوظائف، وفي الاستهلاك والقدرات الشرائية، وفي الاستثمار والشركات الإنتاجية.

 ولم يقتصر فقط كما يظن البعض على «الأسواق المالية» الخاصة بالأسهم والسندات والقطاع المالي كالبنوك وشركات التأمين بعد انهيار سوق الرهن العقارية، وهذا الانهيار سيؤدي لا محالة إلي ضعف القدرات الاقتصادية الأميركية ومن ثم سينعكس علي «المجمع الصناعي العسكري» ولن تنقضي بضع سنوات إلا وستضعف القدرة العسكرية الأميركية وستعود إلى سيرتها الأولى قبل بروز فكرة الهيمنة الامبراطورية والسيطرة العسكرية علي العالم وشن الحروب الاستباقية في أكثر من مكان.

أما أوروبا التي عاشت خلال أكثر من نصف قرن تابعة لأميركا بعد الحرب العالمية الثانية والتي فرضت النفوذ الأميركي العسكري والسياسي عليها فبدأت تتململ من السياسات الأميركية.

وإذا برزت أوروبا كقطب مستقل عن الهيمنة الأميركية فإن ذلك يعني تنافساً عالمياً جديداً أو استعداداً لوراثة العهد الأميركي وعودة إلي قيادة أوروبا للعالم من جديد لكن مع وجود منافسين عالميين آخرين خاصة روسيا والصين والهند.

أوروبا اختلفت مع أميركا خلال السنوات الماضية في عدة ملفات كان أبرزها الحرب علي العراق والموقف من الملف النووي الإيراني والسياسات العدوانية تجاه روسيا.

هل ستعود روسيا إلي نظام اقتصادي مختلف بعد التأثيرات الضخمة للكارثة في اقتصادها وفي أسواقها المالية الناشئة؟ سؤال يفرض نفسه لكن علي الأقل سياسيا فقد تدعم موقف روسيا الجديدة التي يقودها «بوتين» ويريد لها نفوذاً عالمياً مستقلاً.

أما الصين التي تراقب من بعيد فلا أخبار ولا تحليلات عن مدى الخسارة التي لحقت بها وبأسواقها واقتصادها خاصة انها من أكبر المستثمرين في السوق الأميركية المنهارة.