يحبس العالم أنفاسه مع دخول إجراءات تخفيف قيود العزل والإغلاق الخاص بمكافحة فيروس «كورونا»، حيّز التنفيذ، في عدد من البلدان الرئيسية في تفشي الوباء، وعلى رأسها ألمانيا، التي بدأت في تطبيق نموذج دقيق للغاية، تعتمد استراتيجية رفع القيود على مراحل.

إلا أن المستشارة أنغيلا ميركل بدت قلقة من العودة إلى الانهيار الشامل إذا ما تعرضت هذه الاستراتيجية للانتكاسة بفعل سلوكيات بشرية.

وأكثر ما يهدد نجاح تخفيف القيود مسارات سلوكية مثل الاستعجال في كسر القيود لأسباب غير ضرورية، والتهور في عدم الالتزام بالتباعد الاجتماعي، والاندفاع نحو أنشطة ترفيهية في الخارج.

وجميع هذه السلوكيات، الحليفة للوباء، باتت تثير قلق دوائر القرار السياسية في العالم أجمع، حيث أن زوال الشعور الشديد بالخوف لدى السكان كما كان سائداً في بدايات العزل، بالإضافة إلى الملل الشديد داخل المنازل، يسهم في تحريض السكان على القيام بسلوكيات، تتجاوز المسموح به خلال الرفع الجزئي للقيود.

ويكفي أن تتصرف شرائح اجتماعية في مدة التخفيف الجزئي على أنه رفع شامل للقيود، حتى تتعرض البشرية مجدداً إلى خطر انتكاسة جديدة، وهو احتمال يثير يثير الهلع لدى ميركل وقادة الدول الأخرى المعنية.

وأمام هذه المغامرة الكبرى في رفع القيود، دعت أنغيلا ميركل مواطنيها الألمان إلى عدم الاستعجال، والتزام عملية رفع تدابير العزل على مراحل. وأعربت المستشارة الألمانية عن «قلقها الكبير» خلال نقاشات مع قادة حزبها المحافظ، من تراخٍ محتمل للألمان في احترام القيود الاجتماعية.

ودانت المستشارة، التي أشاد غالبية الألمان بإدارتها للأزمة، بـ«كثرة النقاشات» حول رفع سريع للإجراءات وعدم احترام متزايد للتباعد الاجتماعي.

وقالت ميركل: إنه لا ينبغي الاعتقاد «ولو لثانية واحدة» بأن الخطر قد زال.

وأضافت: «ستكون حسرة أن نرى أنفسنا ونحن ننتكس»، ورأت ميركل أن التدابير المشددة حققت الكثير، وأنها أوصلت عدد تكاثر سلاسل العدوى إلى أقل من واحد.

تدابير جديدة

واعتباراً من صباح أمس، بات بإمكان محلات بيع الأغذية والمكتبات ومحال بيع السيارات التي تقل مساحتها عن 800 متر مربع استقبال الزبائن في كل أنحاء ألمانيا، لكن لكل مقاطعة هامش مناورة وهي قادرة على اتخاذ تدابير باستقلالية.

وقررت مقاطعة ساكسونيا فرض ارتداء قناع أو وشاح. وفي لايبزيغ إحدى المدن الكبرى في المقاطعة، كان معظم المارة أمام المحطة وفي الشوارع يرتدون أقنعة.

وفتحت المحلات التجارية أبوابها بعد أكثر من شهر على الإغلاق ولا يسمح لأكثر من شخصين من دخولها في آن، وكان زبائن ينتظرون دورهم للدخول محترمين المسافة بينهم.

وحذرت ميركل من أن «النجاح المرحلي هذا» يبقى «هشاً».

وتدرس دول أوروبا هذه الاستراتيجية، التي وضعتها ألمانيا. وأوروبا معزولة منذ قرابة شهر، وتستعدّ بعض دولها للبدء برفع بعض إجراءات العزل في وقت يبدو كأنه تمّ احتواء المرض.

زوال الخوف

والتحدي كبير: إعادة إطلاق تدريجي للنشاط واحتواء حماسة السكان المعزولين، مع التحذير من احتمال ظهور الفيروس مجدداً عبر المحافظة على الأنظمة الصحية، التي باتت مستشفياتها مكتظة.

على سبيل المثال، في أستراليا، أعادت السلطات فتح ثلاثة شواطئ أمام السكان، فهرع السباحون وراكبو الأمواج من جديد إليها. ويحذر خبراء في العالم الناس الذين خف شعورهم بالخوف، وتزايد مللهم من البدء بالخروج من منازلهم بشكل كثيف.

وفي إسبانيا، يتباطأ انتشار فيروس «كورونا» بعد إصابة أكثر من 200 ألف شخص بالعدوى.

وفي بلجيكا، قال مسؤولون في قطاع الصحة: إن البلاد تجاوزت الذروة مع انخفاض عدد الأشخاص الذين نقلوا للمستشفيات بمرض (كوفيد-9) إلى أدنى معدل خلال شهر.

وقال إيمانويل أندريه، المتحدث باسم مجلس مكافحة (كوفيد-19)، في مؤتمر صحفي: «نعم، بديهياً، نسير نحو ما يسمى إنهاء العزل. هذا يعني توسعاً تدريجياً لمنطقة الأمان حولنا».

وأعادت الشركات الصغيرة فتح أبوابها بعد خمسة أسابيع من الإغلاق في الدنمارك، التي ترفع تدريجياً القيود المفروضة لاحتواء «كورونا»، من صالونات لتصفيف الشعر ومراكز تدليك ومحال رسم الوشوم وعيادات أطباء الأسنان ومكاتب تعليم قيادة السيارات.

في المقابل، ما زالت روسيا تنتظر تجاوز حالة الذروة حتى تبدأ بالتفكير في تخفيف القيود. وأمس، قال الرئيس فلاديمير بوتين، إن روسيا تمكنت من الحد من «كورونا» لكن ذروة انتشار المرض لم تأت بعد.

وفي الهند، فتحت بعض المتاجر والشركات أبوابها في المناطق الريفية في إطار خروج تدريجي من إجراءات العزل العام المفروضة منذ أسابيع، والتي حولت الملايين إلى عاطلين عن العمل يعانون من نقص المواد الغذائية، بينما ارتفع عدد حالات الإصابة بفيروس «كورونا» بأكثر من 1500 خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وقال حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إنها ستسمح باستئناف بعض الأنشطة، بما يشمل أنشطة مصانع ومزارع، في المناطق النائية التي تشهد انتشاراً أقل للمرض.