«كاترينا» اسم يصدق في الأصل على سيرة قديسة كاثوليكية متصوفة عاشت في القرن الرابع عشر.. ثم شاءت التقاليد الأميركية ان تطلق الاسم على إعصار موسمي يجتاح مناطق خليج المكسيك ماراً بمياه البحر الكاريبي وعاصفا ببقاع وأصقاع من الولايات الجنوبية في أميركا على نحو ما شهدته وعانته منذ أواخر أغسطس الماضي كل من فلوريدا ولويزيانا ومسيسبي.
«كاترينا» هو اسم معروف وشائع في الثقافة المسيحية الغربية، وقد تردد الاسم كثيرا في الأيام القريبة الماضية عنوانا لكارثة الإعصار الذي اجتاح تلك المناطق الجنوبية وراح ضحيته الآلاف من الأرواح البشرية فيما كانت خسائره بحجم يزيد على 100 مليار دولار مع هذا كله فقد أعاد كابوس كاترينا ذكريات كارثة المركز التجاري في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001
وبرغم فارق الاتهامات والتسميات بين ترديد أسماء إسلامية في حادثة نيويورك وبين ترديد اسم مسيحي في حوادث الريح الجنوبية الصرصر العاتية وكان في مقدمة هذه الكوابيس بطء الاستجابة في الحالتين من جانب الإدارة الحاكمة حاليا في البيت الأبيض ولدرجة ان القوم بدأوا يقارنون بين ساعات ثمينة أمضاها الرئيس بوش يطالع كتابا للقراءة الرشيدة في مدرسة للأطفال
دون ان يخض إلى مركز مسؤوليات القيادة في اعقاب حادثة سبتمبر وبين أكثر من سبعين ساعة تأخرت فيها القيادة الأميركية عن الرد الايجابي الناجح والناجز على كارثة كاترينا التي ما برحت آثارها المدمرة تخلف العديد من الضحايا فما بالك عندما يثبت ان معظم الضحايا كانوا من فقراء الجنوب الأميركي وان «سوادهم» الأعظم كان من «السود»، الافرو - أميركيين كما تصفهم الأدبيات السياسية الأميركية المعاصرة.
في صيف 2000
هكذا شاء العدد ان يضيف إلى أجندة الرئيس الأميركي بوش بندا بالغ الخطورة إلى جانب البنود الأخرى التي حوتها تلك الأجندة وهي بنود ما برحت من الخطورة بمكان إذ يذكر المحلل السياسي ولا ينسى كيف عمد الحزب الجمهوري في صيف عام 2000 إلى نشر البيان «المانفستو» الذي عرضوا فيه توجهات الجمهوريين اذا ما فاز مرشحهم بالسباق الرئاسي واتخذ طريقه قدما إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض : كان هذا البيان السياسي الجمهوري من إعداد أستاذة شبه مجهولة وقتها للعلوم السياسية وكان اسمها كوندوليزا رايس.
أما المرشح المرتقب والمحظوظ ايضا فكان اسمه جورج دبليو بوش .ويذكر المحلل السياسي ولا ينسى كيف ان المرشح الجمهوري الشاب وقتها كان يفتقر من حيث الكفاءة والمؤهلات إلى الشيء الكثير فلا يملك تاريخ ايزنهاور ولا كاريزما كينيدي ولا حبكة نيكسون ولا ثقافة بيل كلينتون وهم ابرز من تبوأوا رئاسة الولايات عبر النصف الثاني من القرن العشرين.
بيد ان جورج دبليو كان يستند إلى رصيد من نوع مستجد تماما على مضمار السياسة الأميركية وكان الرصيد عبارة عن ترسانة من الأفكار والطروحات والنظريات التي يقول بها ويؤمن بصحتها ويجسدها عمليا فريق من الساسة والمخططين والمفكرين والعسكريين. يحملون بصورة أو بأخرى اسم «المحافظون الجدد».
الهيمنة والقوى الخشنة
وربما بدأ هذا الفصيل الخطير المستجد على ساحة السياسة الأميركية والدولية في تأمل المشهد العالمي مع غروب قرن وبزوع قرن جديد. كانت تلك لحظة القطب الواحد بعد ان سقط الغريم السوفييتي في بئر النسيان وبعد ان انزوت في زوايا الظل حركات ودعوات ظلت طيلة نصف القرن المنقضي ملء السمع والبصر وتحمل شارات عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعين ودول العالم الثالث النامي.. الخ.
هنالك كان الشعار المطروح أميركياً تلخصه في كلمة واحدة هي : الهيمنة وكانت الوسائل المطروحة أيضاً تجسدها عبارة أصبحت ذائعة منذ ذلك الحين باستخدام القوى الخشنة عسكريا واقتصاديا) + القوى الناعمة أو اللينة (الإعلام والعلم والتكنولوجيا)
ونحسب ان العالم كان سيمضي إلى طريق سليم من التعاون الايجابي لو كان المحافظون الجدد قد ركزوا اكثر وأعمق على جانب القوى اللينة او الناعمة ..
ولا مانع من ان يبسطوا سطوة أميركا وهذا حقها ولكن بوصفها منارة العلم ورائدة التكنولوجيا البناءة المتقدمة من حيث تسخيرها لصالح الإنسان، لكن محافظي أميركا الجدد أفسحوا - ولأمر ما - مكان الصدارة والقيادة إلى عناصر الصقور بين ظهرانيهم من ثم جاء اختيارهم وتركيزهم على عنصر القوى الخشنة وفي مقدمتها قوى العسكر وتعبئة الجيوش والتحفز لشن الحرب وضراوة القتال.
ويبدو أنهم استشعروا حاجة رئيسهم بوش إلى ان يدخل تاريخ بلاده من باب تعرفه حوليات السياسة الأميركية حق المعرفة وهذا الباب مرفوع عليه لافتة تقول بالبنط العريض ما يلي: ـ هذا هو رئيس الحزب بمعنى القائد الأعلى للقوات المسلحة. وبمعنى الزعيم الذي لابد وان يصطف كل المواطنين من خلفه وان تتراص الصفوف من أجل مؤازرته ومن ثم تصبح معارضته او انتقاده نوعا من شق الصفوف وخلخلة الوحدة ونقص الولاء او فلنقل « فقر الوطنية» ـ انيميا الشعور الوطني كما قد نقول.
ـ والأكيد ان بوش قد نعم كثيرا بهذه المكانة وبهده المؤازرة لدرجة أن فاز بولاية ثانية مجددة رغم ان بلاده كانت تخوض حربا في العراق وساحة أفغانستان وربما لأن بلاده وقوات بلاده كانت تخفض هذه الحرب على كلتا الساحتين ولأن أركان الحزب الجمهوري يستعدون من الآن لمعركة الرئاسة الجديدة المرتقبة في عام 2008،
فهم يدركون ولاشك أهمية ان تكون السنوات الثلاث المتبقية من ولاية رئيسهم الحالي، بمثابة تمهيد ناجح وناجع لفوز مرشح جمهوري جديد مازال في علم الغيب ومن ثم استمرار الجمهوريين وهم حزب التحالف بين مجمع البيزنس ومجمع العسكر في حكم أميركا إلى ان يقضي الله أمراً كان مفعولا.
الإعصار دمر الحسابات
لكن يبدو ان الحسابات الجمهورية لن تتم على نحو ما يشتهي محافظو أميركا الجدد أو المخضرمون. لقد هبت عاصفة كاترينا فأوضحت مدى افتقار الدولة الأعظم الوحيدة في العالم إلى الإمكانات السوبر والى الفعاليات المتقدمة والموارد الطائلة اللازمة لمواجهة الكارثة اليومية التي حلت وخاصة لان كثيرا من تلك الإمكانات ما برحت موزعة بين مسرح العمليات في أفغانستان والعراق،
لدرجة اضطرارهم إلى إعادة نحو 200 طيار من مسارح العمليات الخارجية لكي يساعدوا عائلاتهم في المناطق المنكوبة على مواجهة عواقب الإعصار ولدرجة جعلت منتقدي الإدارة الحالية يشيرون إلى ان استمرار التورط في حرب العراق كان قد أدى إلى خفض الميزانيات التي كانت مرصودة أصلاً لصيانة وتمتين السدود التي أقيمت في ولايات الجنوب وكان من شأنها- لو تمت صيانتها وتقويتها - ان تخفض من وطأة الكارثة.
ثم جاء إعصار كاترينا لكي يعيد إلى الذاكرة الجماعية الأميركية ميراث العبودية وتاريخها وبعد ان تصوروا أنهم افلحوا في محو آثاره او على الأقل اجتياز مرارته لقد كان الناس يتابعون اضطهاد السود في الستينات ـ خلال حركة الحقوق المدنية ـ منشورا على صفحات الجرائد المطبوعة.
لكن ها هي مأساة السود ـ الفقر والحرمان والضياع وتردي الأحوال المعيشية ـ تعود لتطل برأسها وتشاهدها الملايين بكل ألوان الطيف على شاشات التلفاز وعبر اتصالات السواتل الفضائية وبصورة بليغة ومعبرة ومتحدية بكل مقياس لا عجب ان يصف شارتوف، وزير الأمن الداخلي الأمر بأنه بدا وكأنه ناجم عن تأثير التعرض لقنبلة ذرية في الأيام القريبة الماضية.
محلل سياسي وخبير الإعلام الدولي