«البيان» تقف على قمم دهوك

متينا.. طبيعة ساحرة تؤرخ للصراع الكردي

صورة
من يزُرْ هذه المدينة، أقصى شمال كردستان العراق قرب الحدود التركية، يكتشف أننا في الشرق الأوسط لم نتمكن من اكتشاف الجغرافيا فيه، الوصول إلى تلك المناطق شمال العراق فرصة لمعرفة تفاصيل المنطقة، إلا أن البعد الكردي في هذه المنطقة التي تغلب عليها الطابع المحلي، يحجب بقية شعوب المنطقة عن الاطلاع على ما هو مختلف عن الثقافة العربية.
 
في متينا شمال دهوك، التي يتعانق فيها الجبل مع الماء، بينما تحتفظ الأشجار بعلاقتها العميقة مع الأرض، سر من أسرار الطبيعة الشرق أوسطية، فالمنتجعات السياحية الحديثة تتوزع على قمة هذه الجبال وتحفها مياه الجبل من كل حدب وصوب، ففي الشتاء مثلاً لا تنفك الغيوم على الزائرين لهذه المدينة، أما صيفاً فليس ممكناً من ارتداء الملابس الصيفية.
 
العراقيون العرب هم أكثر من يرتاد هذه المدينة الساحرة، وقد أصبحت مصيفاً مهماً لهم يغنيهم عن السفر إلى خارج العراق، وبعد أن تحركت السياحة في هذه المدينة بدأت الفنادق تنمو على قمم الجبال، لكنها مع ذلك لا تتناسب مع حجم الإقبال على هذه المنطقة.
 
عدسة البيان على الجبال
 
زارت «البيان» هذه المدينة للوقوف على ما فيها من روائع الطبيعة، إذ كانت الزيارة لا تتجاوز ساعتين فقط، وإذ بنا نغرق في الزمن إلى أواخر الليل ونحن نكتشف جمال هذه المدينة وتاريخها العريق، ونتحدث إلى أهلها البسطاء والعفويين، بمساعدة مترجم .
 
وصلنا بالصدفة إلى بيت العم سردار في أقصى أطراف متينا، وهو مسن في الثمانين من العمر، لكنه وببنيته الريفية الجبلية مازال يقوى على الحركة والتسوق في كل يوم، يمثل سردار التاريخ السياسي لهذه المدينة فعلى أرض مدينة دارت كل الخلافات الكردية بين كبار الأحزاب التاريخية، إلا أن سردار بقي متمسكاً بالولاء لـ«كاكا مسعود بارزاني» وحزبه الديمقراطي الكردستاني.
 
تقاليد كردية
 
يدين أهل هذه المناطق بالمذهب السني ، الممزوج بالعادات الكردية، فلا يجوز للغريب أن يبقى ينتظر في الشارع تحت الأمطار، وفي جواره بيت كردي، وباعتبار العم سردار من مقاومي الحداثة العمرانية والثقافية وكونه على أطراف المدينة، رفض أن نذهب إلى المطعم أو حتى نلجأ إلى الفندق، وأجبرنا في زحمة المطر أن نبيت ليلة في بيته المتواضع.
 
متوسط دخل الفرد في هذه المنطقة، لا يتجاوز 250 دولاراً، لكنها بالنسبة لهم جيدة وتمكنهم من الحياة بكرامة من دون أية حاجات، إلا أن هذا مرهون بعمل الأسرة بالكامل بالزراعة، العدس والثوم والبصل وبعض البقوليات.
 
لا هروب من السياسة
 
صحيح أن الصراع الكردي الكردي، بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال طالباني انتهى من حيث الصراع المسلح، إلا أن التنافس بين الحزبين مازال يلقي بظلاله على المناطق الكردية.
 
ففي عام 1996 من شهر أغسطس وفي قمة المواجهة بين الحزبين استنجد بارزاني بالرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، فقام صدام بإرسال قوات من الحرس الجمهوري. ودخلت تلك القوات لطرد مقاتلي الاتحاد الوطني من مدينة أربيل وساعدت الحزب الديمقراطي على ملاحقة جماعة الاتحاد الوطني حتى الحدود الإيرانية إلى أن تدخلت إيران وساعدت الاتحاد على استعادة معظم المناطق التي خسرها باستثناء أربيل. ومنذ ذلك الحين تبلورت سيطرة الحزبين فأصبحت أربيل ودهوك من نصيب «الديمقراطي» بينما بقيت السليمانية من نصيب «الوطني».
 
استمر الصراع إلى عام 1998 حيث تم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين برعاية أميركية، مع إصرار واشنطن على وقف المعارك بين الطرفين، إذ كانت تريد أن يكونا من الجماعات التي ستتعاون معها في غزو العراق. 
 
هذه الخلفية التاريخية الموجزة، لا تزال تلقي بظلالها على المجتمع الكردي الذي لم تغب عنه الصراعات الداخلية وحالة الشقاق الداخلي. بل دخل على بنية المجتمع الكردي حزب العمال الكردستاني بقيادة عبدالله أوجلان الذي أصبح له نصيب من المجتمع الكردي خصوصاً في السليمانية وبعض مناطق شمال دهوك.
 
يقول أحد المسؤولين المحليين من دهوك (متينا)، نحن الكرد لا نريد الحروب، إلا أنه في كل مرة ندفع ثمن الحروب التي تفرض علينا، ففي هذه المدينة الصغيرة على سبيل المثال، يمكن أن تكون مكاناً سياحياً لكل سكان المنطقة العربية، فلماذا لا تكون كذلك ويتم الاهتمام بها.
 
ويضيف المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ«البيان» نسبة كبيرة من الشباب عاطل عن العمل، بينما يمكن إنشاء مشاريع سياحية ضخمة تخفف البطالة وتمنع الشباب من الهجرة إلى مناطق أخرى.
 
حديقة وقصر صدام 
 
أحد المرافقين من أهل المنطقة في متينا رافقنا في جولة إلى قصر صدام حسين المتربع على تلة والمطل على بحيرة صغيرة، هذه المرة قصر صدام ليس كما القصور المعروفة، فهو عبارة عن بناء صغير من طابقين، إلا أنه بني من الأحجار الجبلية المقتطعة من جبال المنطقة. أما سور القصر فهو طويل ومترامي الأطراف يبعد عن باحة القصر أكثر من 40 متراً، حيث بني القصر بطريقة أمنية يختلط فيها العامل السياحي، إذ يقول المرافق لنا إن صدام كان يمضي الصيف في هذا المكان.
 
تحول هذا القصر بعد الحرب الأميركية على العراق إلى خرابة وأحجار مهدمة عاثت فيه النيران وأصبح مأوى لحيوانات الغابة حتى هذه اللحظة، بينما سور المدينة تم سرقة أحجاره الهندسية الثمينة من قبل مخربين، وحتى الآن مازال قصر صدام خالياً من الحياة بعد أن فارقه.
 
 تتميز مدينة دهوك بخصوصيات ومميزات متعددة منها المميزات الجغرافية والسياسية والاقتصادية والعلمية ، تحيط مدينة دهوك سلسلة من الجبال تضفي عليها رونقا جميلا ومنظرا خلابا خصوصا وان هذه الجبال تحيطها من مختلف الجوانب ، وتمتد سلسلة جبال متين كلما اتجهت شمال شرق دهوك باتجاه مدينة بامرني . 
 
ومن الناحية السياسية تعتبر ثالث مدن اقليم كردستان ومولد الزعامات الكردية العريقة التي خرجت من رحم القرى التي هي جزء من المدينة.  كما تعتبر مدينة دهوك مركزا تجاريا مهما يربط بين تركيا والعراق من جهة وبين اقليم كردستان ومدينة الموصل التجارية من جهة اخرى وتعتبر حلقة وصل مهمة بين الحركة التجارية بين اقليم كردستان والبضائع القادمة من اوربا عن طريق تركيا و سوريا ، ان سهول كردستان هي اراضي خصبة وصالحة للزراعة فيما لو توفرت الامكانيات الزراعية للنهوض بهذا القطاع المهم .
 
مشاريع
 
غادرنا هذه التحفة الطبيعية، ولم نكتفِ بالتجول في كل أركانها البهية، وقبل المغادرة سألنا أحد المسؤولين في المدينة: لماذا لا يكون على هذه الجبال والأرض مشاريع سياحية؟ فأجاب: هذه المنطقة لم تستقر، فالإقليم في صراع دائم لا نعرف متى ينتهي.!؟
 
العمادية.. سيدة الجبل والتسامح
 
على سفح أحد الجبال شمال دهوك أحد أقاليم كردستان العراق (70 كيلومتراً)، تتربع مدينة العمادية، إحدى أهم المدن الساحرة في كردستان العراق، التي حصلت على تصنيف من منظمة اليونسكو، معتبرة هذه المدينة ضمن المدن الأثرية. 
 
العمادية، وباللغة الكردية «ئاميدي» ترتفع 1400 متر عن مستوى سطح البحر، حيث إن المدينة مبنية على قمة جبل وتضم عدداً من البوابات القديمة.
 
شيدت هذه المدينة على مساحة (6 كيلو مترات) بحسب دائرة البلدية فيها والتي يطلق عليها السائحون مدينة «الألف منزل» مزجت بين التاريخ والحداثة، حيث يحيط بها سور يعود تأريخ تشييده إلى أكثر من (8000) سنة. تبعد العمادية مسافة ما يقارب الـ10 كيلومترات عن الحدود التركية، تاريخ هذه المدينة يبدأ من إمارة بهدينان الكردية التي كانت تتبع بالولاء للدولة العثمانية وكانت تدفع الضرائب لها. كانت تحكمها عائلة ما زالت قبور بعض أفرادها في المدينة ومنهم السلطان حسين. الذي يوجد مرقده المبني مع قبته جنوب شرق المدينة إلى الجنوب من مدخل السيارات لها. لا يزال أحفاد هذه العائلة موجودين في المنطقة ولكن أغلبهم انتقل إلى مناطق أخرى. كانت العمادية مقراً أساسياً لإمارة بهدينان، باعتبارها كانت تحمي وتضم مختلف الأديان. وكان يسكنها أمير اليزيدية وكذلك اليهود والمسيحيون والمسلمون، لذا يعتبرها العديد أنها مدينة التسامح.   شيّدت بطريقة مشابهة للقلعة عند قمة جبل شاهق منذ عهد قديم وبتصميم دائري. ومن آثارها التاريخية، بوابة العمادية القديمة، المنارة الكبيرة، القبة والبوابة الزرادشتية وغيرها. أمّا مدرسة قبهان ومصيف سولاف فيقعان قرب العمادية.
 
آثار مدرسة قوبهان
 
تقع آثار هذه المدرسة الإسلامية القديمة في الجزء الشمالي الشرقي من قلعة العمادية وشمال مصيف سولاف ضمن حديقة مكتظة بالأشجار. كانت «قوبهان» مدرسة للعلوم الإسلامية إبان القرن السابع عشر الميلادي تخرج منها المئات من الأئمة والخطباء ومنحتهم الإجازات الشرعية. أما اليوم فلم يبقَ منها إلا بعض الجدران شاهداً على ذلك الصرح التاريخي.
 
نزوح أهالي العمادية
 
نظراً لأهميتها التاريخية، وكما يقول أهالي العمادية لـ«البيان» إن عملية التوسع في المدينة لم تعد ممكنة بسبب تصنيف اليونسكو لهذه المدينة بأنها مدينة تاريخية، فلم يعد هناك إمكانية للتوسع أو التغيير في هذه المدينة، ما دفع الأهالي إلى ترك مدينة الأجداد والتوجه إلى أسفل الجبل الذي يحتضنها لبناء مدينة أخرى أطلقوا عليها «العمادية الجديدة». في العام 1938 اضطرت السلطات الحاكمة - آنذاك ــ إلى إزالة جزء من سور المدينة لشق طريق السيارات داخلها، أما طابع التحضر الذي بسط سلطانه على معظم المنازل فساهم في إبراز جمالية بعض البيوت القديمة التي ما زالت تحتفظ بجدرانها المبنية من الأحجار المقطوعة بشكل هندسي جميل.
 
الطريق الواسع الوحيد فيها هو طريق دائري يلتف حولها، وتقع عليه معظم الدوائر الحكومية والمقرات الحزبية والثكنات العسكرية أيضاً، أما المساحات الفارغة فهي معدومة في هذه المدينة التي تجاوز عدد سكانها (8000) نسمة. إقبال المواطنين على البناء خارج سور القلعة شجعته الحكومة المحلية بتوزيع قطع من الأراضي في هذه المناطق وبناء بعض المؤسسات الحكومية في المكان، كل هذا من أجل الحفاظ على تاريخية هذه المدينة.
طباعة Email
تعليقات

تعليقات