عطية رمضان (55 عاماً) ليس سوى نموذج مصغّر لعشرات الأسر الغزية التّي بات يَعضُّها الفقر بأنيابه وتكتوي بنار الجوع والعوز وتنزلق يوماً بعد آخر إلى شريحة المهمشين والمشرّدين في قطاع غزة.

وجهه شاحب رسمت التجاعيد على محياه قصّة وجع وكفاح لا تنتهي.. للوجع مكان في عينيه الجاحظتين من فرط الجهد والتّعب.. ثيابه مهلهلة ورثّة وممزّقة ومتّسخة لا تكاد تحميه من شدة البرد القارس.. وعلى كتفه يحمل كيساً كبيراً تنوء بحمله الجمال من عبء أكوام القمامة من قوارير بلاستيكية وبعض الأشياء الأخرى التّي ألقى بها أصحابها في حاويات القمامة، لتنقلب إلى مصدر رزق وصيد ثمين بالنسبة إلى هذه الفئة من المشرّدين في غزة.

بعد المشي على قدميه مسافات طويلة، جلسَ على حافة الطريق، بعد أن أنهكه التّعب وأخذ منه ما أخذ لتناول وجبته في موعدها، سحب قطعة من الخبز من كيس صغير مع ما تيسر من حبة بندورة وقارورة ماء، وشرع يلتهم بنَهَم ما جاد به الزّمان عليه ولسان حاله يتمتم بكلمات غامضة بـ«البيان»: «تعبنا يا بنيه.. ما أصعبها هالعيشة، في كل يوم أصحو مع ساعات الفجر الأولى، وأنطلق في رحلة عمل شاق قد تدوم في الغالب أكثر من 13 ساعة متواصلة، أجمع خلالها ما يقوم السكان بالاستغناء عنه من بلاستيك وأغراض قابلة للبيع مثل الألمنيوم والنحاس، انظر إلى هذا الثوب (ويشير بإصبعه إلى ثوب ممزق يرتديه)، لقد وجدته قبل أسبوع واحد في حاوية قريبة من هذا المكان، وأنا محظوظ، لأن غيري لم يعثروا على شيء كهذا سوى البلاستيك».

عطية رمضان ليس سوى نموذج واحد من ظاهرة انتشرت في غزة تبحث وتنبش بأظافرها في الحاويات من أجل توفير قوت يومها، يبدأ رمضان يومه وكأنه يوم عمل ممتع، ويباشر عمله في جمع القطع البلاستيكية من شوارع غزة ليلاً ونهاراً، يشعر وكأن عمله بمنزلة إسعاف يطمس جوعه وشقاءه، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، باحثاً عن أمل خلف السراب وداخل الحاويات.

تقوده قدماه إلى كل الشوارع والأزقة في المخيمات باحثاً عن القطع البلاستيكية، ليبيعها لمصنع لإعادة تدوير وتصنيع البلاستيك.

الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي يمر بها قطاع غزة في الفترة الحالية، أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة وقلة فرص العمل، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، وبحسب الإحصاءات الأخيرة فقد ارتفعت نسبة البطالة إلى46.6%، فيما بلغ عدد العاطلين من العمل إلى 230 ألف عاطل بقطاع غزة، حيث تعتبر نسبة البطالة في غزة الأعلى عالمياً.