متكئ على عكّازه، وبالكاد يستطيع السير على قدميه، في شارع ضجّ بالفوضى والضجيج والفلتان واحتمالات الأذى، لم يفكر بكلام منمّق، بل ترك قلبه يقول ما يجيش فيه: «لو بتعتبروني والدكم، كنتو ساعدتوني حتى فوت ع مستشفى أو شي مأوى.. الله أكبر، على كل من طغى وتجبّر.. موجوع، الله ينتقم منكم».

صرخة ممزوجة بالدموع، أطلقها ذاك المسنّ، مجهول الهويّة، من ساحة رياض الصلح وسط بيروت، أثناء مشاركته في تظاهرة احتجاجية على الأزمة المعيشية، مرفقة برسالة خص بها السلطة ممثلة بالرؤساء الثلاثة، وهو «ختيار» ثمانيني أتعبته الحياة، وتركت للأيام أن تتابع مسيرتها على وجهه: تجاعيد عميقة على وجهه، وحزن أصيل في عينيه لا يدرك سره أحد.. نقلت صورته وسائل الإعلام على الملأ، فيما اختار هو أن يُبقي اسمه قيد التفاصيل التي تخصّه وحده، شاهراً مذهبه في وجه من يعنيهم الأمر: «ضحيّة الرغيف».. هكذا، من دون أيّة إضافة.

«كأنّو مقطوع من شجرة.. يبست»، تهمس إحداهنّ. أما هو، فيبدو بلا حاضر، في ظلّ غدْر الزمان الذي أوصله إلى هذه الحال. حال أشبه بقبعته القطنيّة البيضاء، والتي لم يسعفه حجمها المحدود في أن يداري بها دمعه مع كلّ كلمة قالها أمام عدسات المصوّرين.. يتنهّد، كأنّما يحاول أن يتذكّر كلمة طيبة، أو لملمة ما استطاع من ذكريات التواصل مع الناس، وفجأة، يجفّ الكلام في حلقه.