قطر تكرّس الانسلاخ عن محيطها بقاعدة تركية ثانية

كرّست قطر انسلاخها عن محيطها العربي بقرارها إقامة قاعدة عسكرية تركية إضافية على أراضيها، واستقدام المزيد من القوات الأجنبية التي حولت الشعب القطري إلى رهينة للتشكيلات الأمنية الإيرانية والتركية، المعلنة وغير المعلنة.

وأكد معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، أن القيادة القطرية تبتكر معنى مسخ السيادة بعودة احتلال انتهى قبل مئة عام، فيما علّق وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة على الخطوة القطرية بأنه لم يبق قناع لم يسقط، والواضح أن «قطر ليست منا».

وكتب معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدة: «بينما تعزز الإمارات العلاقات الاستراتيجية مع الأشقاء في السعودية ومصر ومنظورها إحياء الأمن العربي، يبتكرون معنى مسخ للسيادة بعودة احتلال فارق قبل 100 عام». وأضاف معاليه: «عويل كاهن سياستهم يعبر عن خيبة فشل مشروع التفرقة بين الأشقاء. اختاروا مسارهم وأدركوا تكلفته وخطورته».

في السياق، أرفق وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة مقالة صحيفة حريت التركية حول القاعدة العسكرية التركية في قطر، معلقاً بالقول: «مقال في جريدة «حرية» التركية يشير إلى افتتاح قاعدة طارق بن زياد التركية في الدوحة. ويذكر «البحر من ورائكم والعدو من أمامكم»، ويلمح إلى أن الخطر والعدو هو المملكة العربية السعودية». وأضاف في تغريداته: «لم يبقَ قناع لم يسقط، وواضح أن #قطر_ليست_منا».

وكانت الكاتبة في صحيفة «حريّت» هاندي فيرات، قد نشرت مقالة أول من أمس، عن زيارتها للجنود الأتراك في قطر، مستهلةً مادتها التي حملت العديد من الرسائل التركية الخبيثة بمقولة لقائد جيش المسلمين طارق بن زياد على أرض الاندلس: «العدو من أمامكم والبحر من ورائكم، فأين المفر؟»، في عبارة تاريخية شهيرة لحث جنوده على القتال ودخول الأندلس. وذكرت الكاتب التركية أن هذه المقولة ذكرها الكولونيل التركي مصطفى آيدين، قائد القوات التركية في قاعدة «طارق بن زياد» على أراضي قطر.

واستخدم الضابط التركي هذه العبارة في سياق ملتوٍ، وبمضمون اغترابي عن العلاقات التاريخية التي تربط شعوب الخليج العربي، فعمل على استخدام العقلية التركية والمنظار التركي العنصري والأحادي في تعريف الترابط التاريخي في المنطقة، وهذه من ثمرات فتح تنظيم الحمدين الباب على مصراعيه لتحويل قطر إلى كيان أجنبي منسلخ عن ثقافته وتاريخه، بدون أن يدرك أن قطر ليست ملكية شخصية للتنظيم الحاكم، وأن مصير البلاد ليس رهينة لسياسات كيدية يديرها رئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم، حيث لم يسبق لبلد ذي سيادة تخلص من احتلال ثم طلب راجياً عودته بعد أكثر من مئة عام على رحيله، ودون قراءة التاريخ واستنباط الدروس مما حدث، فالاحتلال التركي ترك القطريين لمصيرهم عام 1913، ورحل ضمن اتفاقية تنازل فيها عن إمارة قطر، بدون ثمن، في صفقة معروفة، إلا أن المحيط الاجتماعي الخليجي استوعب الحالة القطرية في ذلك الحين، ولم يتركها معزولة تواجه العزلة والانسلاخ عن محيطها.

وما تفعله قطر هذه الأيام ليس مجرد استعادة لاحتلال استخدمهم في صفقة رخيصة، ولن يتوانى عن فعل ذلك مجدداً حين تستكمل تركيا تحويل الدوحة إلى ورقة في ملفاتها الإقليمية والدولية المتهاوية، من الغاز في البحر المتوسط مروراً بهزائم فصائلها في سوريا وليبيا، وسقوط أذرعها في مصر والسودان، وحتى مطامعها في وسط آسيا. وما يقوم به تنظيم الحمدين من جمع بين المتناقضات على الطريقة التركية لن يفلح في هذه المنطقة، مهما انسلخ النظام القطري عن عمقه الخليجي والعربي. فاللعب التركي على المتناقضات بين روسيا وأمريكا تكلفه الكثير من أوراقه هنا وهناك، ولن يكون يوماً بعيداً حين تكون قطر إحدى أوراق تركيا للتفاوض عليها في لعبة التناقضات التي تديرها. قبل توسيع الوجود العسكري التركي والإيراني غير المعلن عنه، كان يقال إن سيادة قطر على المحك. أما اليوم، فلا سيادة ولا استقلال. فتنظيم الحمدين وضع قطر تحت وصاية الاحتلال، ليس فقط للاستعانة بهذا الاحتلال ضد دول الجوار، بل ضد الشعب القطري نفسه.

سياسة عدائية

وتواصل قطر سياساتها العدائية في المنطقة، راهنةً في الوقت ذاته سيادتها للقوى الطامعة، ممثلة في كل من تركيا وإيران بالتحديد، واللتين تُدين لهما الدوحة بالفضل والولاء التام، ليمثلوا معاً «ثلاثي الشر» الهادف لزعزعة وضرب أمن واستقرار المنطقة.

ولم تترك الدوحة فرصة إلا وأكدت من خلال تصرفاتها على ولائها للأجندتين التركية والإيرانية، في صلف قطري لا حدود له، تؤكد من خلاله الدوحة خروجها عن الصف العربي ومحاباتها لأجندات تدميرية.

أداة للتدخلات

وطبقاً لما يؤكده مؤسس المخابرات القطرية الخبير الاستراتيجي المصري اللواء محمود منصور، فإن كلاً من تركيا وإيران تستخدمان قطر لتنفيذ أهدافهما ومطامعهما في المنطقة بصفة عامة، ورهنت الدوحة سيادتها لتلك القوتين الطامعتين وأصبحت أداة في أيديهما معاً، بخاصة بعد المقاطعة التي سارع بعدها تنظيم الحمدين في اللجوء إلى كل من البلدين لحمايته شخصياً.

وأفاد الخبير الاستراتيجي المصري، في تصريحات لـ«البيان» من العاصمة المصرية «القاهرة»، بأن قطر صارت تحت حكم تنظيم الحمدين أداة طيّعة بيد تلك القوى الطامعة الهادفة إلى تحقيق مصالح خاصة بهم في المنطقة، وضرب استقرارها وأمنها جراء ذلك، مشيراً إلى أن كل مواقف قطر وسياساتها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها تُدير ظهرها للأمة العربية وتوالي كلاً من تركيا وإيران، وقد أصبحت الدوحة تحت حكم الحمدين جزءاً رئيسياً منفذاً لأجنداتهما في المنطقة.

الأمن العربي

ولا يُخفي النظام القطري ولاءه لكل من إيران وتركيا وأجنداتهما في المنطقة، وهو ما يتضح من خلال التصرفات والسياسات القطرية المختلفة، التي تؤكد وقوع الدوحة في شرك مطامع أنقرة وطهران، طبقاً لما يؤكده سفير مصر الأسبق لدى الدوحة محمد المنيسي، في تصريحات خاصة لـ«البيان» ذكّر خلالها بموقف أمير قطر تميم بن حمد، لدى انسحابه من القمة العربية الأخيرة في تونس، وذلك بعدما تضمنت كلمة الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط إدانة للتدخلات التركية والإيرانية في شؤون دول المنطقة.

إضافة إلى العديد من الأدلة والوقائع التي تؤكد، طبقاً للمنيسي، أن قطر ما هي إلا أداة لتنفيذ المطامع والسياسات التركية والإيرانية في المنطقة، وتدين لهما الدوحة بالولاء الكامل وترهن سيادتها لهما، لدرجة أن تأمين الأسرة الحاكمة في قطر بعد المقاطعة يتم من خلال تركيا الهادفة لاستعادة الإمبراطورية العثمانية وإيران الهادفة لاستعادة الإمبراطورية الفارسية.

ويأتي ذلك الولاء في خطٍ متوازٍ مع علاقات قطر المترابطة مع التنظيمات الإرهابية ودعمها لتلك التنظيمات، ما يجعلها «خنجراً مسموماً» في ظهر الأمة العربية رفقة الثنائي التركي الإيراني، بما يكشف حجم المخطط الذي يتبناه ذلك الثلاثي من أجل تدمير المنطقة لصالح أجندات وأحلام الزعامة الزائفة.

مسؤولية دولية

يعتمد النظام القطري في كل كبيرة وصغيرة على تركيا وإيران اللتين تعملان عرّابتين لتنظيم الحمدين، بما عزز من عزلة قطر عن أشقائها، بخاصة أن حاكم قطر يسعى من خلال ذلك إلى شق الصف العربي تنفيذاً لرغبات ومطامع إيران وتركيا. وتمثل الدول الثلاث محوراً للتدخلات الإقليمية بالمنطقة في ضوء العلاقات والمصالح المشتركة التي تجمعهما معاً، طبقاً للخبير الاستراتيجي المصري اللواء محمود منصور، الذي شدد على ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته في مواجهة تلك السياسات الهادفة لتدمير المنطقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات