يوسف عطوان المقاتل ضد الاحتلال والسرطان

لماذا رحلت يا يوسف؟ لماذا استعجلت مغادرتنا؟ كان عندي قناعة أنك مثلما قاومت الاحتلال ستقاوم هذا المرض اللعين، وأنك ستنتصر عليه مثلما انتصرت على جلاديك في سجون العدو.. هكذا تساءلت ناشطة تونسية على صفحة مناضل فلسطيني فتح ذراعيه في مواجهة الاحتلال الصهيوني والسرطان، وكلاهما وجهان للمرض الخبيث. تقول له: «أتذكّر يوم أعلنت (قبل سنتين) عن مرضك على صفحتك، وأرسلت لك رسالة لرفع معنوياتك، فرفعت أنت معنوياتي.. وأكثر من ذلك شكرتَ المرض، طبعاً أنا استغربت وسألتك: ليش بتشكر المرض يا يوسف؟ قلت لي: لأنه سيمكنّني من دخول القدس.. لم أجبك بحرف لكنني أحسست بمرارة عميقة كيف أننا وصلنا لدرجة أن نشكر الموت لنزور أوطاننا».

سنة 1985، شن الاحتلال حملة اعتقالات واسعة، طالت المئات وسميت «ضربة الـ 85»، وكان يوسف عطوان ابن بلدة الخضر التلحمية، أحد الذين طالتهم الحملة، فأمضى سنتين خلف القضبان، لكنّه لم «يهدأ» بعدما تنسّم الحرية النسبية، فالوطن كلّه أسير.. مع خروجه من المعتقل، كانت انتفاضة الحجارة قد دقّت الجرس وأشعلت الضوء الأحمر، نوراً ودماً.. كان من الطبيعي أن يزج الاحتلال بيوسف في الزنازين مجدّداً وتكراراً، لأكثر من ست سنوات، منها سنتان في الاعتقال الإداري، لكنّه كان دائماً يجسّد غناء العاشقين «حبستوا جسم البطل محبستوش الروح».

عائلة مناضلة
يوسف عطوان الأسير المحرّر وزوج الأسيرة المحررة نضال أسعد، ووالد الأسيرة المحرّرة مجد، ووالد الأسير المحرر محمد، أعلن بنفسه على صفحته الفيسبوكية قبل عامين أنه بدأ بخوض معركة جديدة مع عدو آخر اسمه السرطان. ما من صديق حاول رفع معنوياته، إلا ووجد «الرفيق يوسف» هو من يرفع المعنويات.. يكتب: «للمقاومة مفهومٌ واحدٌ وأساليبُ وأهدافٌ متعدّدة.. وهنا في حضرة الجمال، ينتصب هدف واحد وهو قهر مرض السرطان، العدو المشترك بيني وبين رفيقة الفكر والإنسانية.. رفيقة استطاعت التغلب على عدوّها فأتتني بمدد جنّدها للدعم المعنوي وشحذ الإرادة وحتمية الانتصار.. شرّفتني رفيقتي بزيارتها لي في مشفى المقاصد.. سأكون كما تتمنين ويتمنى الكثيرون».. ويضيف ساخراً من المرض «ههههه.. لكننا سننتزع الحياة من براثن الموت». كتب لحفيدته شام التي امتشقها سلاحاً في مواجهة المرض: أنا إنسان.. أنا من يرى في الحب طفلاً يولد مطلع كل فجر وحين.. وآخر أراه يسكنه الأمل بكسر قيد أسير.. الحب أسمعه في زقزقة العصافير، وصوت عندليب يشدو على غصن شجرة بعذوبة صوت فيروزي.. الحب أراه أرجوحة أطفال معلّقة بين السماء وأشجار الزيتون وقلبي.. الحب عندي مقاومة وانتصار الحياة.. الحب تطويع الألم (وتحويله) إلى قوة وإرادة وابتسامه.. الحب عندي ألا أضعف ولا أنكسر ولا أهزم.. سأختزل الحب والحياة في حفيدتي شام.. فهل بعد كل هذا الحب يمكن للسرطان أن يهزمني؟.. أبداً.

هموم الأسرى

لم تمنعه جرعات الكيماوي من التفاعل مع هموم الأسرى في سجون الاحتلال، وشجون وطن عربي كبير جعلوه أوطاناً.. ينصح حيناً بالاستماع لأغنية كتبها ولحّنها زياد الرحباني يسأل فيها على طريقة الشيخ إمام «أمريكا مين»، وتؤلمه حكومة النهضة الإخوانية في تونس، إذ «تستقبل مئتي سائح صهيوني، بينهم أفراد من مجموعة الموساد التي خططت واغتالت الشهيد أبو جهاد، وتزور البيت الذي نفذوا فيه عملية الاغتيال!».

كان يعي أن الوعي العميق يعمّر طويلاً، فيكتب: «عندما تكتب اسمك على الرمل عليك أن تتوقع أن تمحوه موجة خفيفة أو نسمة هواء، حتى لو كانت لطيفة، لأجل ذلك، أحفره عميقاً بمعول أفعالك، وقلّم أفكارك، في ذاكرة من عرفوك بالإنسانية».

في لحظاته الأخيرة أدرك أن المرض تمكّن من جسده، بعيداً عن الروح، فكتب مودّعاً: ذات مساء.. حينما أنام وتنام الشمس في عيوني. سبلي جفوني بحنان أناملك.. وانسجي من قصائد صدري.. من صدر قصائدي.. أنشودة حب لفلسطين.. وأغلقي الصفحة الأخيرة من كتاب تاريخي.. ولا بأس أن تسقطي من رطب عينيك دمعتين على جبيني.. علّ الفصل المشرق من حياتي.. تبقى خيوط شمسه ساطعة.. واطبعي على شفتيَّ قبلة الوداع الأخير.

صباح الأحد وقعت عيون أصدقائه على كلمات النعي تقول: «لمن يسأل عني.. أنا متّ وانتقلت للرفيق الأعلى»، والتوقيع «زوجته».

 

كلمات دالة:
  • فلسطين،
  • الاحتلال،
  • السرطان،
  • يوسف عطوان
طباعة Email
تعليقات

تعليقات