لم يبقَ في إسبانيه

منّا، ومن عصورنا الثمانيه

غيرُ الذي يبقى من الخمرِ،

بجوف الآنيه..

يقولون إن لا شيء أسوأ في هذه الدنيا من أن يكون المرء أعميً في غرناطة لما تملكه من قصورٍ تشبه قصص ألف ليلةٍ وليلة وحدائق تسرد قصص ماضٍ تليد أزهر حضارةً سرعان ما ذبلت. ولعل الراحل نزار قباني أراد من خلال بكائيته تلك أن يوقظ همة المسلمين التي دخلت في سباتٍ مريب منذ سقوط الأندلس قبل قرونٍ خلت أكثر مما أراد في واقع الأمر إظهار حسرته على مجدٍ ضائع.

غرق المسلمون منذ ذلك الزمن في رثائياتٍ على الماضي جسدتها مقولة والدة آخر حكام الأندلس المعروفة: «ابك كالنساء مجداً أضعته ولم تحفظه كالرجال»، وتاهوا في صحراء «خطوة إلى الأمام خطوتين إلى الخلف» فانتهوا إلى ما انتهوا عليه من تشرذمٍ وتخلفٍ. أما اسبانيا، فسرعان ما تخلصت من «محتليها المسلمين» ونصرت من بقي منهم مع يهودها في حملة كثلكةٍ هي الأضخم عبر مر التاريخ واستفادت من تجاربها فعادت عبر «الأرمادا» قوةً استعمارية بفضل أسطولها البحري الأضخم آنذاك بعد أن كانت مستعمرة.

عرفت اسبانيا كيف تتصالح مع تاريخها ومع جيرانها ومستعمريها السابقين، فتعلمت من ماضيها وهيأت العدة لمستقبلها فنسجت علاقاتٍ مميزة معهم لم تجد من خلالها حرجاً في الاعتراف بفضل هؤلاء تارةً ونقدهم تارةً أخرى إن استدعى الأمر. لم تعد اسبانيا تعني بالنسبة إلى الكثيرين مجرد سحر حدائق غرناطة وغموض مصير لوركا وجدلية حكم فرانكو فقط، بل باتت مدريد في زماننا هذا سيدة الاتحاد الأوروبي ذلك التكتل القاري الهائل باقتصاده وثروته البشرية وامتداداته الجيو-سياسية لتؤكد على علاقاتها التاريخية مع العرب والمسلمين والخاصة مع إسرائيل رغم أن اعترافها بها تأخر حتى العام 1975.

وبدلاً من النواح على الأطلال، التي باتت هشيماً تذروها الرياح، وجلد النفس في ليلة سقوط الذات المريعة العام 1492، كان الأجدر بالمسلمين تحديث تجربتهم ونقلها إلى بلدانهم الجديدة بشكلٍ يتواءم مع تطورات التاريخ وتحديات العصر التي استنسخت «غرناطات» في غير مكانٍ في العالمين العربي والإسلامي.

والمؤمل من الرئاسة الاسبانية للاتحاد الأوروبي اليوم تفعيل المبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء الاسباني خوسيه لويس ثاباتيرو نفسه والتي دعا فيها إلى «تحالف الحضارات» بدلاً من «حوارها» ليس إلا. وحري القول إن اسبانيا هي الأقدر، بإرثها، على الأخذ بيد الآخرين لإرساء أسس تحالفٍ واقعيٍ وملموس للحضارات بما يضمن إيجاد نقاط تلاق مشتركة ضد آفة التطرف ووباء الإرهاب باعتبارهما عدوين للإنسانية بأسرها.

bbaker@albayan.ae