تقدم العراقيون بخطوة جديدة نحو بناء النظام السياسي الديمقراطي الدستوري الجديد، الذي يعتمد، بدرجة كبيرة، على صوت الناخب العراقي الذي يدلي به في صندوق الاقتراع بارادته الحرة، فقد دخلت الاحزاب السياسية العراقية في امتحان ومحك أخلاقي وسياسي أمام الناخب وأمام أنفسهم لبناء مستقبل عراقي بعيدا عن المحاصصة والطائفية، تجربة أربع سنوات كشفت للمواطنين عجز بعض الاحزاب عن تحقيق الخدمات الأساسية التي وعدت بها، فضلا عن قضايا الفساد ونهب المال العام التي اتسعت في ظل تخبط العراق في العنف الدموي .
الهدف الأهم في الانتخابات هو اختيار المرشح أو الحزب أو الكيان الذي يستطيع أن يلامس هموم الناس في المجتمع ويحقق المطلب الشعبي ويلبي حاجة الفرد من خلال الايفاء ببرامجه ووعوده وعهوده. وليس الهدف أن تخلف الانتخابات مرشحين مقعدين وأحزابا منكمشة تترك غبار صراعها يشوه العلاقات السياسية ويدمر نسيج المجتمع السياسي في العراق.
فجزء كبير من هذه المحددات يعتمد، كما في أي انتخابات، على القدرة على المفاضلة بين برامج المرشحين من جهة، وعلى التأكد من قدرة مرشح على إنجاز برامجه وتطلعاته من جهة أخرى، وهو ما يظل محل شك كبير في الحالة العراقية، ليس لحال الفوضى السياسية المنتشرة هناك فحسب، وإنما أيضا لوجود عامل خارجي ممثلاً في الاحتلال الأجنبي الذي يشكل قيدا على تطلعات الناخبين والمرشحين على حد سواء.
وعلى الرغم من أن الانتخابات سوف تكون حكماً مشوبة بالعيوب بترقب حدوث حالات تزوير، إلا أن إجراءها مهم لإظهار أن الحكومة المركزية العراقية ملتزمة بالحكم الديمقراطي وأن مجالس المحافظات تخضع للمساءلة من جانب الشعب.
فالناخب العراقي في عز التهاب دور الإرهاب اختار العملية السياسية السلمية في الانتخابات الأولى، وبعد جهنم السنوات الخمس المنصرمة من إرهاب وفساد وطائفية ليسجل لنفسه هذه المرة واقعة جديدة برفض الطائفية التي حاولت تقسيمه بين أطراف متعادية فيما يدرك المواطن العراقي متانة لحمته ووحدته الوطنية.
وعلى الفائز ان يثبت بان المشاركة في الانتخابات لها الدور الاول في عملية التغيير، فالقضية ليست في تغيير الوجوه وانما في تغيير الرؤية والبرامج والعقلية والاولويات والهمم، او هكذا يجب ان يكون الامر، وعلى الفائز تقع مسؤولية اثبات ذلك بالفعل والعمل لا بالقول، وبالتغيير الملموس على الارض لقد تمزقت الخريطة الطائفية التي احتوت العراق بين تلافيفها خلال السنوات الاربع الماضية «جلباب» الطائفية .
وأصبحت رسما آخر لتحالفات واصطفافات جديدة جعلت من الأحزاب الدينية، التي كانت تضع نفسها في إطار الطائفية، تحاول الظهور في إطار «الوطنية العامة» وتسعى بها الى استيعاب ما حصل من انتكاسات ومتغيرات فرضت عليها من الواقع العراقي. وعليه حان الوقت الان لترسيم هذه الخطوة سياسيا بتوحيد الصف العراقي لانهاء كليا الاحتلال وخلق اجماع حقيقي ينبذ الطائفية.. بل يجرمها.