كشفت محرقة غزة أقنعة كثيرة وعرت زيف دعاوى التغطية الاعلامية على العجز والتواطؤ، ووصوله إلى مستوى المشاركة في المجهود العسكري والسياسي دعما للدولة الصهيونية في تنفيذ جريمتها.
ومن خلال التغطية الاعلامية لمحرقة غزة على الشاشات الفضائية العربية كان من الملاحظ تأثر معظم المراسلين في الميدان بالدم المسفوح على أرض غزة المحاصرة، ولكن في استوديوهات الفضائيات كان الامر مختلفا ففي الوقت الذي وصف فيه المراسلون الاحداث بجرائم الحرب والعملية العسكرية للاحتلال بما يليق بها من اوصاف همجية وبربرية وصفت بعض هذه الفضائيات الامر على انه عملية عسكرية اسرائيلية محدودة تهدف لوقف قذائف المقاومة. ويفاجأ الجمهور بأصوات الصراع السياسي تطغى على أصوات الضحايا، قبل أن تأتي الصور التلفزيونية المؤلمة لترفع صوت المأساة الفلسطينية عاليا فوق أصوات المتاجرين في القضية او المختلفين حولها.
ويبدو ان قناة «البي بي سي» جرفتها رياح «التقديرات الخاطئة» بعد رفض الهيئة بث نداء للجنة طوارئ الكوارث للتبرع لصالح أهالي غزة، وقد دافعت عن قرارها بتأكيد انها أرادت أن تتجنب زعزعة ثقة الرأي العام في حياديتها. لكن الاكيد ان النداء ليس دعاية مؤيدة لحماس ومناهضة لإسرائيل وانما لاعادة بناء غزة الجريحة.
إن صمود الشعب الفلسطيني على مدى ستين عاما من الحقد والإجرام الصهيوني دليل على قوتهم أكثر من كونه دليلاً على طغيان عدوهم، وإن صبر غزة وصمودها بعد عامين من التجويع والحصار على حرب عالمية دليل على العزة وقوة الإرادة وعلو الطموح والهمة، وهذا ما ينبغي على الإعلام أن يلفت الانتباه إليه؛ لأن الاستمرار في توظيف الدماء لكسب المشاعر دون خدمة القضية الفلسطينية لن يؤدي بأي شكل من الاشكال الى دحر الاحتلال الاسرائيلي.
ليس المطلوب من هذا الإعلام أن يحجب حقيقة ما يجري في غزة، لكن المطلوب أن يوظف الحقيقة لخدمة مستقبل القضية، وأن يبدع في التعبير عن جوانب القوة كما يبدع في التعبير عن جوانب الألم. المجال الإعلامي العربي يفترض أن يكون المحرك الرئيسي لعمليات توحيد المواقف السياسية فالهدف هو الاصطفاف سويا في معركة واحدة وهي دحر الاحتلال.
ولابد ونحن نحني هاماتنا وقاماتنا إجلالا لأرواح شهداء غزة، من تأكيد أهمية تحرك لممارسة أقصى أشكال الإدانة والضغط على الاحتلال الاسرائيلي لإيقاف عدوانه على المدى الطويل على غزة التي ستبقى شاهد عدل على جرائم الصهيونية التي قتلت الأطفال والنساء والشيوخ كما قتلت أحلام السلام في هذه المنطقة من العالم.