منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي في عام 1949 والخلافات بين الأوروبيين وواشنطن لم تنته، ولم يكن الأوروبيون يؤمنون بأن هناك خطرا أو تهديدا من الاتحاد السوفييتي، وعندما سعت الدول الأوروبية الكبرى لامتلاك السلاح النووي لم يعترض الاتحاد السوفييتي، بينما اعترضت الولايات المتحدة، وكما كتب هنري كيسنجر في كتابه «المشاركة المضطربة» عام 1970 يقول «كنا نسأل الأوروبيين إذا كنتم تثقون بنا فلماذا تحتفظون بأسلحة نووية لديكم، ويردون علينا قائلين إذا كنتم تثقون بنا فلماذا تعترضون على امتلاكنا لهذا السلاح».

وكانت فرنسا في طليعة المعترضين على الشراكة الأوروبية الأطلسية في المجالات العسكرية، وكان الجنرال شارل ديجول كثير الانتقاد لواشنطن واعترض على الشراكة البريطانية الأميركية وسحب أسطول فرنسا من قيادة حلف الناتو عام 1959، كما رفض المشاركة الأميركية في قيادة الحلف في جنوب أوروبا وأعلن خروج فرنسا منها، وكان لديجول مقولة مشهورة بأنه «لا أمن لأوروبا بمعزل عن روسيا»، ولم تتراجع فرنسا عن مواقفها هذه حتى الآن، وكان للرئيس السابق شيراك كلمة شهيرة حول القيادة الأميركية لحلف الناتو يقول فيها «إن واشنطن تريد أن تحارب حتى آخر جندي أوروبي».

وفي عام 2000 أثناء مؤتمر السياسة الأمنية لحلف الناتو في ميونيخ اتهم وزير الدفاع الأميركي ويليام كوهين الأوروبيين، وخاصة الألمان والفرنسيين، بالسعي لتدمير الحلف من الداخل بفكرتهم حول إنشاء فرقة أوروبية أمنية مستقلة عن الحلف، وهو نفس الاتهام الذي وجهه وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس أيضا في مؤتمر ميونيخ العام الماضي للأوروبيين بالسعي لتدمير الحلف لرفضهم إرسال قواتهم إلى جنوب أفغانستان للقتال بجانب القوات الأميركية والبريطانية.

الأوروبيون يرون أن الالتزامات الأمنية مع واشنطن تشكل عبئا كبيرا لهم وتسبب مشاكل كثيرة هم في غنى عنها، ويرون أن حلف الناتو يخدم المصالح الإستراتيجية الأميركية، ويضر بمصالح الأوروبيين، ومع تزايد المصالح والعلاقات بين روسيا وأوروبا بات الأوروبيون بشكل عملي يفكرون في التخلص من أعباء الشراكة عبر الأطلسي، وتتزعم فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا هذا التوجه، بينما تستعين واشنطن في مواجهة هذا السعي بحليفتها بريطانيا وبالدول الصغيرة الجديدة في الحلف مثل بولندا ودول البلطيق الثلاثة (لاتفيا وليتوانيا واستونيا).

وقد زادت الأزمة المالية العالمية من حدة هذه الخلافات حيث أصبح الأوروبيون يشعرون بالفعل بأن الشراكة مع الولايات المتحدة في كافة النواحي لا تجلب لهم سوى المشاكل والأزمات، وفي هذا المناخ تلعب روسيا دورا كبيرا على أمل منها أن تؤدي هذه الخلافات في النهاية إلى انهيار حلف الناتو.

elmoghazy@hotmail.com