نختتم بهذه الحلقة استعراض رؤية المؤلف فريد زكريا لمستقبل العالم خلال الفترة المقبلة حيث يرى أن المؤشرات تشير إلى احتمال بروز قوى أخرى إذا كان من الصحيح أن الولايات المتحدة معها ستحافظ على تميزها إلا أن الفرادة لن تكون لها بالكامل. وعلى ذلك فإن الفكرة الأساسية التي يحرص المؤلف على التأكيد عليها لكي لا يساء فهمه هو أن قوة أميركا ليست إلى زوال وإنما تنتظر من يزاحمها.
وتنطلق رؤية زكريا في هذا الصدد من أن القوة العسكرية ليست سبب المكانة الوحيدة لأميركا بل هي نتيجة لهذه المكانة التي تستمد وقودها من القاعدة الاقتصادية والتكنولوجية التي تنفرد بها. وهو يدلل على صحة وجهة نظره من خلال تقديم العديد من الأمثلة منها إشارته إلى أن أميركا التي تضم 5 في المئة من سكان العالم تضم أيضا نحو 42 جامعة من أفضل خمسين جامعة في العالم ويتخرج منها نحو ألف مهندس يحمل الدكتوراه في علوم الحاسوب الإلكترونية مقابل عدد من خريجي الهند من نفس المستوى الرفيع يتراوح بين 35 و 50 مهندساً. في مستهل الفصل السادس من الكتاب ويحمل - عنوان «القوة الأميركية» - يعمد المؤلف إلى تذكير أمريكا بمصير ابنة العم الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغرب الشمس عن ممتلكاتها وسط البحار وفيما وراء البحار.
وفي هذا الصدد يقول: ثمة مشهد درامي مثير حقا حدث بالذات يوم 22 يونيو عام 1897 وكان يوم عطلة رسمية عامة - تمتع بها 400 مليون إنسان كانوا يمثلون وقتئذ ربع سكان المعمورة.. وكانت المناسبة هي الاحتفال بالعيد الستيني لارتقاء الملكة فيكتوريا - عاهلة بريطانيا الإمبراطورية سدة العرش البريطاني. وسط المهرجانات والكرنفالات.. وقف طفل كان في الثامنة وقتها متفرجا.. على الموكب والعروض التي ملأت شوارع العاصمة لندن.. بعدها بأكثر من نصف قرن كتب هذا الطفل وقد أصبح أستاذا كبيرا يقول انه شاهد في طفولته الإمبراطورية البريطانية وقد بلغت ذروة أوجها.. ولكن لم يكن يعرف أن هناك شيئا اسمه «التاريخ».. وأن حكم التاريخ كفيل بأن يصدر على هذا الكيان الإمبراطوري كي يصل به إلى ضرورة التخلي عن هذا الدور الامبراطوري.
كان هذا الطفل.. هو الأستاذ أرنولد توينبي أكبر مؤرخي الإنجليز في القرن العشرين. في آخر فصلين من كتابنا يحاول المؤلف - جاهدا فيما نرى - أن ينبه أميركا إلى ما آل إليه مصير الإمبراطورية البريطانية.. ويجهد في الوقت نفسه من أجل عقد مقارنات توازي بين مصير القوتين العظميين: بريطانيا التي كانت وأمريكا التي عليها أن تعي الدرس البليغ المستفاد من عبرة التاريخ. على سبيل المقارنة يشير المؤلف إلى ما حققته - الإمبراطورية الأميركية من انتصارات (سهلة) كما يصفها في كل من أفغانستان والعراق وكانت النتيجة كما يضيف المؤلف (ص 173) مقاومة طويلة وشاقة في العراق بالذات تخللتها أخطاء سياسية وعسكرية وإستراتيجية لا أول لها ولا آخر. ومن ثم يضيف المؤلف قائلا: أيا كانت نتيجة الحرب في العراق فإن التكاليف فادحة بكل مقاييس بعد أن تعرضت أمريكا إلى تشتيت قواتها والضغط الشديد على إمكاناتها فضلا عما أصاب صورتها من ظلال قاتمة.. الأمر الذي جعل أطرافا شتى تنتهز الفرصة وتفيد من هذه الأوضاع (المتأزمة) وهذه الحظوظ الكئيبة التي أصابت واشنطن.
ليس معنى هذا كما ينبه كتابنا أن أميركا في طريقها إلى الانحدار على نحو ما حدث لبريطانيا: ما زالت أمريكا تتمتع بموقع فريد يتمثل في الدور الذي تضطلع به قدراتها في البحث العلمي والتطور التكنولوجي وعلى عكس ما قد يفهمه الآخرون فالمؤلف ينبه إلى أن القوات المسلحة تلعب دورا أساسيا بل محوريا وجوهريا في الحياة الأميركية.. وهنا لا تجوز المقارنة حتى مع الإمبراطورية البريطانية بكل ما كان لها من سطوة أو توسع أو نفوذ إمبريالي في قارات العالم، ففي التحليل الأخير كانت بريطانيا سيدة البحار حقا - لكن لم تكن لها أي سيطرة يؤبه بها على اليابسة.
مع هذه كله يسترعي اهتمامنا ما يخلص إليه فريد زكريا حين يقول: إن قوة أمريكا العسكرية ليست سبب مكانتها بل هي نتيجة لهذه المكانة التي تستمد وقودها من القاعدة الاقتصادية والتكنولوجية التي تنفرد بها أمريكا صحيح أن أمريكا قد تفقد حصة لا يستهان بها مما تتمتع به على الساحة الدولية لحساب أو لصالح القوى الصاعدة والمتوثبة الأخرى وفي مقدمتها الصين والهند (وقد نضيف روسيا وربما اليابان أو حتى البرازيل وجنوب افريقيا) ولكن ستظل أمريكا تنعم - في رأي المؤلف أيضا - باقتصاد بالغ الحيوية شديد الفعالية وقادر على أن يظل متصدرا مسيرة العلم والتكنولوجيا والتطور الصناعي ولكن بشرط واحد وأساسي هو: أن تنجح أمريكا في التكيف والتواؤم مع التحديات التي تنتظرها عند منحنيات الطريق وبالتحديد أن تحافظ أميركا - كما يشدد الكتاب على أفضل صناعة عندها.
هنا لا بد وأن يطرح السؤال: ما هي أفضل صناعات أميركا؟ المؤلف يسارع إلى الإجابة حين يقول:أفضل ما تملكه أميركا حاليا هو صناعة.. التعليم العالي. في هذا السياق يوضح الكتاب أن أميركا التي تضم 5 في المئة من سكان العالم تضم أيضا نحو 42 جامعة من أفضل خمسين جامعة في العالم ويتخرج منها نحو ألف مهندس يحمل الدكتوراه في علوم الحاسوب الإلكترونية مقابل عدد من خريجي الهند من نفس المستوى الرفيع يتراوح بين 35 و 50 مهندسا.
يقول الكاتب جوزيف جوف في إطار عرضه التحليلي لهذا الكتاب (نيويورك تايمز - الأحد 11/5/2008): في عصر الصناعة كانت الآلات - المعدات هي الأساس.. لكن في عصرنا الراهن أصبح الأساس هو.. السوفت وير.. وهو ما نسميه - الثقافة.. وهي آلية ترتبط عضويا بشمائل عديدة: المهارات - الانفتاح - الابتكار - الفرصة - ثم المنافسة.
من ناحيته يوجز المؤلف هذه الميزة حين يقول أن ليس المهم هو أن يتعلم الطلاب أو الشباب دروسا في هذا التخصص أو يتلقون معلومات في ذلك العلم.. المهم أن يتعلم الدارس «كيف» يفكر.
وعند المؤلف فلا سبيل إلى هذا التجدد الفكري سوى باستخدام سلاح أمريكا السري كما يسميه وهذا السلاح في كلمة واحد هو: الهجرة إن المؤلف يرى أن استقبال مهاجرين يفدون إلى الأرض الأمريكية من مختلف أنحاء الأرض يحملون آمالا وثقافات وعقليات متنوعة.. هو الأداة الناجعة - السحرية كما يتصورها لتجديد فكر أميركا وعلومها وتوجهاتها ومناهجها وحياتها بشكل عام.
وعلينا أن نتذكر أن مؤلف الكتاب نموذج لهذا كله..لقد شد الرحال من بومباي قاصدا أميركا حيث درس في اثنتين من أرقى جامعاتها هما ييل وهارفارد ومن ثم شق المهاجر الهندي الأصل طريقه إلى أعلى مراقي العمل الصحفي والموقع الإعلامي.. وكأنه جزء من هذا السلاح السري الذي تملكه أميركا - سلاح التجدد البشري. هذه المقولات توصلنا إلى آخر فصول هذا الكتاب.. هو الفصل السابع الذي يحمل عنوانا يكاد يلخصه السؤال: ماذا تقصد أمريكا؟
وهنا يبادر المؤلف لينبه إلى أن الولايات المتحدة بكل قدراتها وإمكاناتها - لم تعد الآن في وضع تحسد عليه: صحيح أنها ما زالت القوة العظمى عالميا إلا أنها قوة عظمى متهالكة القوى: مشاكلها الاقتصادية واضحة.. عملتها الدولارية مستضعفة.. سمعتها وصورتها أصبحت سلبية في نظر قطاعات عديدة من عالمها وعصرها حيث مشاعر العداء لأميركا في كل مكان - كما يحدد المؤلف ما بين بريطانيا نفسها (!) في أوروبا إلى ماليزيا في جنوب الشرق الآسيوي.
كل هذه الاتجاهات يراها المؤلف بمثابة فرص لكي تبقى أميركا - بفضل جاذبية ثقافتها - في موقع اللاعب الرئيسي على حلبة عالم أكثر دينامية وأشد إثارة.
في هذا السياق يرى الكتاب ضرورة أن تفسح أميركا المجال لكي يتنافس على مهاد هذه الحلبة العالمية أكثر من طرف بحيث تتحلى واشنطن عن سياسة بوش في انفراد القطب الواحد بالبت في مصائر العالم. هذا الانفراد بالسلوك أضفى نزعة من الاستعلاء المستندة إلى ما يمكن وصفه بأنه غرور القوة - على سلوك المسئولين الأمريكيين الأمر الذي أفقدهم حتى تعاطف حلفائهم الأوروبيين أنفسهم.. لا يتورع المؤلف (ص 225) عن أن يسوق الأمثلة من واقع زيارات الرئيس الأميركي شخصيا للأقطار الخارجية.. يقول فريد زكريا:
رحلات الرئيس بوش الخارجية تبدو وكأنها تقصد إلى التباعد ما أمكن عن التواصل مع تلك الأقطار التي يزورها (!).. عادة ما يأتي الرئيس وبصحبته نحو 2000 أميركي.. على متن حشد من الطائرات والعموديات والسيارات.. لا يكاد يشاهد شيئا اللهم إلا القصور وقاعات الاجتماع.. رحلاته لا تكاد تحوي جهدا يدلل به على الاحترام والتقدير لثقافة أو تراث البلد الذي يزوره - لا يلتقي إلا في القليل النادر بالناس خارج نطاق دوائر الحكم.
ربما لهذا يطالب المؤلف عند نهاية الكتاب بوضع قواعد جديدة لعصر جديد.. ويقوم ببلورتها في 6 قواعد أساسية على لنحو التالي:
(1)الاختيار بمعنى تحديد الأولويات ورسم الأسبقيات فليس من الممكن أن تحصل واشنطون بالجملة على كل ما تريد من تجاهل مصالح الآخرين
(2)بناء قواعد واسعة وليس مصالح ضيقة والمعنى أن يتم البناء على أساس التعايش مع القوى الصاعدة في عالم - المستقبل وليس على أساس الانفراد بالرأي أو أحادية التصرف.
(3)اتباع نهج بسمارك وليس نهج بريطانيا ويفسر المؤلف ذلك بأن بريطانيا أيام إمبراطوريتها كانت تسعى إلى التوازن والتنافس ضد القوى الأخرى في حين كان بسمارك -مؤسس الوحدة الألمانية في القرن 19 يستهدف تحسين علاقاته مع سائر الدول والقوى الأخرى.
(4)ضرورة التكيف مع الواقع.. وبحيث لا يحبس صانع القرار الأميركي نفسه لا في برج العزلة العاجي عن التيارات المائجة في العالم ولا في قمقم الأفكار الثابتة ومنها بالذات أفكار القوة العاتية أو الدولة الإمبراطورية.
(5)اتباع الفكر غير المألوف أو النهج غير التقليدي - غير الاعتيادي، فالمؤلف يقول بأن أميركا بكل قدراتها لم تحسم الموقف في العراق وإسرائيل بكل جبروتها لم تنتصر على حزب الله في لبنان. نحن أمام قوى غير تقليدية منها الإيجابي مثل ميليشيات المقاومة الوطنية ومنها السلب مثل عصابات المخدرات أو غسل الأموال. ومواجهة هذه النوعية المستجدة من القوى تقتضي في كل حال نهجا غير تقليدي من التفكير والسلوك.
(6)أخيرا ليست القوة في عرف المؤلف هي حشد الدبابات أو قصف المدافع أو التلويح بالتهديد.. الشرعية هي القوة الحقيقية (ص 248). الشرعية هي التي تتيح للطرف المعني أن يواجه الأزمة بثقة واقتدار وأن يعبئ التأييد على أساس من رصيد الثقة لدى الآخرين.
الصفحات: 292
الكتاب: عالم ما بعد أميركا
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: نورتون وشركاه - نيويورك

