يحرص المؤلف منذ السطور الاستهلالية من كتابه على تصدير مقولاته بسطور كاشفة من المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يقول فيها:
- إن التطور يتم عندما يتجلى التحدي الذي يستثير الاستجابة وإذا نجحت الاستجابة فهي جديرة بأن تولد بدورها تحديات جديدة. وفي ضوء هذه السطور يطرح المؤلف أولى مقولات كتابه موضحاً أنه لا يكتب عن «نهاية» أميركا بل هو يكتب عن «بداية» القوى الأخرى في العالم أو على حد قول «متشيكو كاكوتاني» ناقد النيويورك تايمز: فقد طال العهد بأميركا وهي في موقع القوة الأعظم.. وربما حان الوقت لكي تجابه هذه ـ القوة ـ السوبر تحديات من نوع جديد تلخصها عبارة تقول: - إن الشمس تشرق على روابي الشرق. ونبادر لنقول ان الشرق المعني هنا يمتد من شبه القارة الهندية إلى الصين في أقصى مساحة القارة الآسيوية. إن كتاب فريد زكريا يوجه انتقاداته إلى سلوك أميركا وتوجهاتها وينبه إلى أن الأفق العالمي واعد بصعود قوى جديدة تتخذ لنفسها مكاناً ومكانة في ساحة العالم - لكنه لا يتنبأ - كما فعل البروفيسور كينيدي - بسقوط المكانة الأميركية.. وحسبه أن يدلك في هذا الكتاب على أن الساحة الكوكبية ما زالت تتسع لأكثر من منافس.
يستهل فريد زكريا كتابه قائلاً إنه يكتب عما يصفه بأنه.. «التحول العظيم» الذي يحدث في طول عالمنا وعرضه.. وهو تحوّل يحتاج منا أن ندرك أبعاده لأنه يتجاوز حتى أبعاد عالمنا الراهن.. وبالتحديد لأن التحول بدأ مبكراً وئيداً، ولكنه كان جذرياً بقدر ما جاء بتغييرات يمكن وصفها بأنها «ثورية» أطلّت على حياة الناس منذ القرن 15 وتسارعت خطاها مع القرن 18 وتلخصت بصورة درامية كما يقول المؤلف في معنى جوهري واحد هو: الحداثة ـ وهذه الحداثة تجسدت بدورها في المتغير الأخطر الذي تناهى إلى زماننا الراهن ويلخصه المؤلف أيضاً في العبارات التالية من الفصل الأول بالكتاب.
- العلم والتكنولوجيا + التجارة والرأسمالية + الثورتان الزراعية والصناعية.. وقد أفضى هذا كله إلى الهيمنة السياسية الطويلة زمنياً لدول الغرب. بعد هذه التحولات التي يراها المؤلف أقرب إلى تغيرات الأزمنة الجيولوجية، جاءت السنوات الختامية من القرن 19 لتشهد ظاهرة ما برحت مؤثرة حتى اللحظة الراهنة وهذه الظاهرة السياسية هي صعود الولايات المتحدة الأميركية.
وفي معرض التفسير يقول فريد زكريا:
- بعد أن أنجزت أميركا تحولاتها الصناعية، سرعان ما أصبحت أقوى دولة في العالم منذ إمبراطورية روما.. ولهذا ظلت أميركا، على مدار معظم سنوات القرن العشرين - تمارس دور الهيمنة بصورة أو بأخرى على مجالات الاقتصاد والسياسة والعلوم والثقافة.
ورغم ما قد ننقده من جانبنا إزاء هذا الطرح مذكّرين بالمنافسة السوفييتية خلال سنوات الحرب الباردة إلا أن مؤلفنا لا يلبث أن ينتهي إلى النتيجة التالية التي نراها صحيحة في مجملها وهي:
** ان أميركا على مدى السنوات العشرين الماضية (ربما يقصد بعد سقوط جدار برلين) ظلت تمارس دور الهيمنة بلا منافس أو منازع.. وكانت تلك ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
ولأن التاريخ حلقات متكاملة، فما زالت عجلة هذا التطور ممعنة في دورانها كي تصل في الفترة الراهنة إلى تحولات مستجدة يتغير معها وضع الصعود والهيمنة الأميركية إلى حيث يمكن القول مع المؤلف بصعود قوي جديد ودخولها إلى حلبة المنافسة والتأثير على مقاليد عالمنا ومقدراته. يقول مؤلف الكتاب في هذا السياق:
في الفترات الأخيرة ما برحت أقطار شتى في العالم تحقق معدلات من النمو الاقتصادي لم تكن لتخطر على بال أحد: صحيح أن الأمر شهد طفرات وعثرات، إلا أن الاتجاه العام ظل في حال من الصعود. ورغم أن النمو جاء أبرز ما يكون في ربوع آسيا إلا أنه ليس مقصوراً عليها.. ولهذا لم تذكر سطورنا هذه ما يوصف مثلاً بأنه «صعود آسيا» وحدها.
لماذا؟
لأن أحدث الفترات، وهي سنة 2006 وسنة 2007 شهدت 124 قطراً في العالم وقد حققت نمواً بمعدل بلغ 4 في المئة أو أكثر ومنها 30 بلداً في إفريقيا أي ثلثي بلدان تلك القارة السمراء وفي هذا الإطار استقبلت الدوائر المختصة مصطلحاً جديداً هو:
ولقد أعدوا قائمة بتلك الأسواق - الاقتصادات الواعدة التي تمتد من البرازيل والأرجنتين في أقصى غرب العالم إلى جنوب إفريقيا إلى كوريا الجنوبية والهند ثم الصين في أقصى الشرق المطل على الباسيفيك. وليس للقارئ أن يستهين بالظاهرات المستجدة على خارطة عالم اللحظة الراهنة.
هكذا ينبه مؤلف كتابنا.. الذي يواصل مرافعته بشأن تحولات مراكز التأثير ومواقع القدرات ويقول (ص 3) بالحرف:
ـ في ضوء مقاييس عديدة.. فإن لندن (وليس نيويورك) في طريقها كي تصبح أكبر مركز مالي في العالم - بينما أصبحت الإمارات العربية المتحدة موئلاً لأكبر صناديق الاستثمارات وأغناها. وحتى في مجال أسواق الاستهلاك وهو المجال الذي كانت أميركا تتباهى به عجباً على خلق الله.. فقد تحولت الأمور وتغيرت الأوضاع فمن بين أكبر عشر «مولات» للتسوق في العالم لا تضم أميركا سوى واحدة فقط..
بل أن أكبر مول - مركز للتسويق في العالم لا يوجد في أميركا أصلاً بل هو في.. الصين.. و.. القائمة اعتباطية أو عفوية كما يعترف المؤلف ولكنها ذات دلالة لا تخفى على أحد. ويكفي أنه منذ 10 سنوات فقط لا غير كانت أميركا تتربع على قمة بعض، إن لم يكن معظم هذه الأنشطة والفعاليات.
إننا في معرض قراءتنا التحليلية لهذا الكتاب لا نملك سوى ملاحظة ذلك التفاؤل الذي تصدر عنه مقولات المؤلف وقبل أن نجادله في أن المسألة ليست مجرد أغنى الأثرياء أو أضخم الطيارات.. أو أعلى المولات بقدر ما أننا معنيون بالإنسان.. ورفاه الإنسان وانتشاله بالذات من وهدة المسغبة والحرمان.. هنالك يبادرنا فريد زكريا بالاعتراف بوجود ملايين من البشر ما زالت تعيش في ربقة الفقر المدقع..
ولكنه يشهر في المقابل إحصاءات تؤكد أن عدد من يعيشون على أقل من دولار في اليوم انخفض (حسب المصادر الدولية) من 40 في المئة عام 1981 إلى 18 في عام 2004، ومن المقدر أن تنخفض النسبة إلى 12 في المئة مع حلول عام 2015 (التلميح هنا إلى تحقيق قدر من النجاح في الأهداف الإنمائية للألفية الذي اعتمدتها منظومة الأمم المتحدة.... لعل وعسى).
في كل حال فنحن نكاد نصغي إلى أصداء تتردد بين سطور كتابنا.. وكأنها تعيد على مسامعنا وأذهاننا مقولات سبق إليها محللون ومفكرون.. حاولوا أن «يبشروا أو يحذروا» - سيان - إزاء ما يستجد على كوكبنا من متغيرات..
في هذا الصدد قد نستعيد مع سطور مؤلفنا كتابات الصحافي الأميركي الشهير «توماس فريدمان» في كتابه بعنوان «الأرض مسطحة» بمعنى أن ظاهرة العولمة أصبحت أقرب إلى شبكة الترابط الوثيق بين سكان الكرة الأرضية - وقد نعيد التأمل أيضاً فيما سبق وحذر منه البروفيسور زبغينو بريجنسكي - مستشار الأمن السابق في عهد الرئيس كارتر من أن أميركا مهددة بسور من العزلة وسط رقعة الشطرنج الدولية الكبرى (عنوان كتاب صادر للمفكر الأميركي المذكور)..
نفس المنطق وربما حذر منه، البروفيسور جوزيف ناي الأستاذ بجامعة هارفارد حين أصدر كتابه بعنوان «تناقض الإمبراطورية»، وأكد فيه أن أميركا لن تستطيع بمفردها أن تضطلع بمسؤوليات القطب العالمي الأكبر (أو الأوحد) - أو فلنقل مسؤوليات الزعامة أو حتى المسؤوليات الإمبراطورية.
المهم أن ثمة نجوماً عديدة بدأت أنوارها تتسلل - حتى لا نقول انها تلمع أو تسطع - في سموات الأفق العالمي. ومن قبيل التناقضات أن صعود هذه النجوم.. في آسيا أو إفريقيا أو روسيا أو أميركا اللاتينية.. جاء في رأي المؤلف بفضل استيعابها مبادئ الحرية والحوافز الفردية ومهارات المشروع الرأسمالي ودينامية الفرد والمجتمع..
وكلها أفكار ومبادئ ودعوات سبقت إليها أميركا بل وظلت، كما يتصور المؤلف، تدعو إليها وتعمل على ترويجها عبر أكثر من 60 عاماً من عمر القرن العشرين. ويزيد التناقض وضوحاً وربما شراسة أن هذه المبادئ ذاتها.. هي التي تستخدمها النجوم الجديدة الصاعدة.. لمنافسة أميركا.. ومزاحمتها على موقعها القيادي الفريد من خارطة العالم. والمؤلف يصدر في هذا كله عن نزعة لا تخفى من التفاؤل بشأن مستقبل التطور في ساحات هذه القوى الجديدة الواعدة والصاعدة.
نفس هذه النزعة من التفاؤل الذي يحاول المؤلف أن يكون محسوباً أو مدعوماً بالأرقام - هي التي تدفعه إلى الدعوة لإيلاء المزيد من الاهتمام العاجل الناجز كما يسميه لنمو 50 بلداً تضم أفقر سكان المعمورة. ولكنه لا يلبث يشير إلى أن هناك 142 بلداً آخر تشهد تحولات إيجابية في تصوره حتى في حياة الفقراء.. ومن هذه البلدان يرد ذكر الصين.. الهند.. البرازيل.. روسيا.. إندونيسيا.. تركيا.. كينيا.. جنوب إفريقيا.. حيث يرى المؤلف أن الفقراء يتم استيعابهم ببطء ضمن اقتصادات منتجة وآخذة في النمو وهو يصف هذه التطورات في سطور تقول:
ـ لأول مرة في التاريخ.. بتنا نشهد نمواً عالمياً حقيقياً وهو يؤدي بدوره إلى خلق نظام دولي تكف فيه أجزاء العالم عن أداء دور «المتفرج» السلبي بل تشرع في أداء دور «اللاعب» المشارك الإيجابي كل بطريقته: باختصار نحن نشهد مولد نظام عالمي بكل معنى الكلمة.
ـ هنا يجب طرح السؤال الجوهري:
وماذا عن دور أميركا في إطار هذا النظام؟
يجيب كاتبنا الأميركي قائلاً:
على المستوى السياسي - العسكري فما زلنا (الأميركان) قوة عظمى وحيدة. ولكن على صعيد كل من الأبعاد - المجالات الأخرى فنحن نشهد تحولات في توزيع القوة والنفوذ يستوي في ذلك المجالات الصناعية.. المالية.. التعليمية.. الاجتماعية والثقافية على السواء.. كلها تتحول بعيداً عن وضع الهيمنة الأميركية. ليس معنى هذا - يستدرك مؤلف الكتاب - إننا بذلك ندخل في عالم معاد لأميركا ولكننا نلج عتبات عالم ما بعد أميركا.. ومرة أخرى يتبقى طرح السؤال المنطقي:
ماذا يعني إذن العيش في ظل هذه التحولات.. في كنف مجتمع أو مرحلة أو عالم ما بعد أميركا؟
هل هو عالم محفوف بالمخاطر؟ أو عالم ينذر بشّر مستطير وعوامل اضطراب تقضّ المضاجع؟.. هل هو عالم ينطوي على تحديات شرسة وعقبات كأداء متربصة على جنبات الطريق؟
إن مؤلف هذا الكتاب يبادرنا.. بل هو يروعنا، بالتبشير بأن عالمنا سائر إلى الأفضل وأن السلبيات التي تتطاير من حولنا أقل بكثير مما شهدته وعانته أجيال من البشرية سبقت على ذات الطريق!
هنالك أيضاً نشعر بقدر لا ينكر من التناقض: بين ما نشهده ونكابده حالياً وبين رؤية المؤلف التي يودعها سطور الفصل الثاني من هذا الكتاب. وعندما نسأله توضيح أو تبرير هذا التناقض يبادرنا من جانبه بعبارة واحدة هي: فتش عن الميديا.. عن الإعلام.
الكاتب في سطور
فريد زكريا كاتب أميركي من أصل هندي.. يعيش في نيويورك ويعمل حالياً رئيساً لتحرير «نيوزويك إنترناشونال» التي تهتم بالقضايا العالمية والعلاقات الدولية. وبحكم أصوله الآسيوية أمكن للكاتب أن يبلور منهجاً أقرب إلى الموضوعية بالنسبة إلى دور أميركا في عالم اليوم بعيداً عن التهويل أو الانبهار وبالتالي بعيداً عن الدعاية الإعلامية الفجة من جهة أو التعصب المستند إلى غرور القوة - على نحو ما يتبناه «المحافظون الجدد» من جهة أخرى.
الصفحات: 292
الكتاب: عالم ما بعد أميركا
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: نورتون وشركاه - نيويورك

