بعد ما يمكن اعتباره جولة على أوضاع أميركا والتي أشار من خلالها إلى اهتزاز وضعها على نحو يجعل من المشروع التساؤل حول مستقبل النظام الدولي، ووضع الهيمنة الأميركية عليه ينقلنا المؤلف فريد زكريا انتقالة أخرى ،حيث يستعرض مستقبل أميركا بين المنافس الصيني والحليف الهندي.
وفي هذا الخصوص يشير المؤلف إلى الدور الذي لعبته اللغة الإنجليزية في تعزيز الانتشار الأميركي حيث يستطيع مثلا نحو ربع سكان المعمورة الحديث بها، وإن كان المؤلف يتحفظ فيذكر أنه ليس معنى ذلك أن العالم يعيش حالة استلاب للغرب والولايات المتحدة وإنما هي حالة اقرب إلى التفاعل رغم حقيقة أن الحداثة اكتست بالطابع الغربي. وعلى ذلك يتناول بالتفصيل التحولات التي بدأ العالم يلمسها مع غروب القرن الماضي على نحو أكد أن مكانة القوة التي تمتعت أميركا بها بعد سقوط الإتحاد السوفييتي غير قابلة للاستمرار أو الدوام. ورغم بروز العديد من القوى الجديدة إلا أن المؤلف يركز على كل من الصين والهند، وفي ذلك يقود إلى تحذير لنابليون من السماح باستيقاظ المارد الأصفر.. الصين.
زمان.. كان التفوق أو المنعة ـ دع عنك القوة الطاغية ـ كل هذا كان مستمداً من القوة العسكرية. تعبئة الجنود وحشد الجيوش وقعقعة السلاح. تلك هي القاعدة التي تكررت مع الإمبراطوريات التي عاشت وازدهرت عبر تاريخ البشرية القديم والحديث.في زماننا - ومع الاحترام لمن يتحدثون عن إمبراطورية.. أو إمبريالية أميركية.. فإن جوهر الأشياء ومناط التفوق يتمثل في أمر أساسي تلخصه عبارة موحدة واحدة هي اللغة الانجليزية يقول مؤلف الكتاب (ص 79 وما بعدها):الانجليزية في أيامنا أصبحت رمزا لكل ما هو «شبابي» وما هو «حديث». وما من لغة أخرى حققت انتشارها بأكثر من الإنجليزية.
ربما نقارنها مثلا باللاتينية من حيث شيوعها في العصور الوسطى وإن كانت الإنجليزية هي الأغلب من حيث الشيوع والانتشار في شتى مناحي الحياة (اللاتينية كانت مقصورة على دور العبادة وصفوة المتعلمين) ولا يمكن تجاهل أن نحو ربع سكان الكرة الأرضية.. أي نحو مليار ونصف إنسان يستطيعون استخدام الإنجليزية من خلال ظاهرة العولمة التي عززت سبل التواصل وإمكانات التبادل التجاري والثقافي وخلقت من ثم حاجة أكثر من ماسة لاصطناع وسيلة - لغة سهلة الاستخدام للاتصال بين أرجاء المعمورة.
وكلما زاد العدد.. اشتدت الحاجة إلى هذه الوسيلة فما بالك وأن نحو 80 في المئة من المعلومات المخزونة الكترونيا في قواعد البيانات ومستودعات الحواسيب مودعة بالانجليزية.. وعندما يجتمع الدبلوماسيون من حكومات الاتحاد الأوروبي في بروكسل وقد زاد عددها على 25 ومعظم هؤلاء الساسة يستخدمون الإنجليزية توفيرا للوقت والجهود والنفقات. ولا نزاع في أن كل شعب وكل أمة في حال من الاعتزاز باللغة القومية - اللغة الأم كما يطلقون عليها.. لكن المؤكد أن شيوع الإنجليزية - وربما سهولة استخدامها وكونها اللغة الغالبة في مجالات العلم والتكنولوجيا أدى هذا كله إلى تعزيز استخدامها في طول العالم وعرضه.
ليس معنى هذا أن العالم يعيش حالة من الاستلاب الكاملة لحساب الغرب.. هكذا ينبه المؤلف قرب ختام الفصل الثالث من الكتاب: المعنى الأصح أن العالم يعيش حالة من الامتزاج أو التفاعل بين عنصرين أساسيين هما: عنصر المحلية - الوطنية أو القومية، وعنصر الحداثة - المستقاة من الغرب من خلال أداة للتواصل والتفاهم وهي اللغة الإنجليزية.
ومرة أخرى يحاول المؤلف أن يجول بفكره مع قارئيه في أنحاء شتى من العالم.. يوضح مثلا كيف أن الصين تأثرت بموسيقى الروك - الشعبية الأميركية.. لكنها أضفت عليها طابعها الوطني الصيني الذي لا تخطئه الأذن.. وتدل الإحصاءات على أن تسجيلات الروك الصيني أكثر رواجا وأعلى مبيعا حتى بين الأجيال الجديدة من «الصنف الأميركي».. في أميركا اللاتينية يتأثرون بموسيقى البوب وموسيقى البلوز التي ازدهرت في أميركا وخاصة بعد أن طورها السود في أميركا.. ولكن ما زالت أميركا اللاتينية تفضل موسيقى السامبا الخاصة بها بل وتقوم بتصديرها إلى الولايات المتحدة نفسها..
في مجال السينما كانت هوليوود عاصمة الإنتاج في الدنيا ولكن ها هي صناعة بل صناعات الفيلم والإبداع السينمائي تزدهر في بيئات أخرى بعضها يتفوق أحيانا على هوليوود نفسها.. في فرنسا.. شمال أوروبا.. الشرق الأوسط.. وشرقي آسيا وأميركا اللاتينية وغيرها.. وحتى الإنجليزية التي ظل المؤلف يسهب في مديحها والإشادة بتوسعها..
إلا أنها لم تقهر اللغات القومية فما زال الإنتاج الثقافي والفيلمي والتلفزيوني والإرسال الإذاعي والنشاط الإعلامي يتم بلغات الشعوب ويستلهم الأصيل في تراثها الحضاري والثقافي وكل هذا يوضح الحقيقة التي يحاول المؤلف أن يؤكد عليها وهي: أن العولمة هي ثمرة التفاعل بين المحلية والحداثة.
صحيح أن الحداثة - كما يضيف مؤلف الكتاب - اكتسبت وجها غربيا أو طابعا أوروبيا.. لكن هذا يرجع إلى أن أوروبا الغربية حققت في الزمن الحديث منجزات لا يمكن إنكارها ولكن هذا الوجه كان لا بد وأن يشهد بدوره مع نهاية القرن العشرين في مجالات شتى ما بين الإعلام والاتصال.. إلى التجارة والسياحة والسفر.
هذه التحولات بدأ العالم يحس بها مع غروب القرن الماضي - وبالتحديد في عقد التسعينات - العقد الذي بدأ فيه مثقفو الأميركان يدركون - أو يدرك بعضهم - أن أوضاع الهيمنة، أو مكانة القوة الإمبراطورية التي تمتعت أميركا بها بعد سقوط الكيان السوفيتي - هذه الميزة الإمبريالية كما وصفتها بعض الأوساط أمر غير قابل للاستمرار أو الدوام. لماذا؟
لأن تحولات العولمة جاءت بأوضاع مستجدة وأتاحت الفرصة لمنافسين جدد كي يفرضوا أنفسهم بقوة بل بعنفوان على المسرح الكوكبي - في مقدمة هؤلاء المنافسين يتوقف المؤلف بقدر لا يخفى من التركيز عند قوتين تشهدان بصورة أو بأخرى حالة من الصعود إلى حيث التأثير بعمق وفعالية في مسار الأحداث. القوتان هما: الصين والهند
يلفت النظر أن المؤلف يخلع على كل منهما توصيفا مغايرا بل مناقضا بكل معنى والتوصيف منسوب إلى أميركا بالذات.. بوصف أميركا هي القوة البارزة على مسرح الأحداث.. من هنا يرى المؤلف في الصين رمزا للتحدي.. ضد أميركا. فيما يرى في الهند رمزا أو وعدا للتحالف مع أميركا، وعلى ذلك فإنه وفقا له فإن الصين هي «المتحدي».. والهند هي «الحليف». والمؤلف يغرد لكل منهما، وتحت هذين العنوانين بالذات، الفصلين الرابع والخامس من هذا الكتاب.
لماذا يعجب الأميركان بالصين؟
الأميركان معجبون بالصين.. لأنهم يعجبون بكل شيء كبير أو بالغ الضخامة: تأمل مثلا ضخامة السيارات التي صنعوها.. شطائر السندوتش ذات الطبقات الثلاث التي يفضلونها، الأسماء الفخيمة التي يتداولونها في حياتهم اليومية..
ومنها مثلا إمباير ستيت حين كانت أعلى «عمارة» في العالم.. أو محطة غراند سنترال في نيويورك حيث غراند تعني الأكبر أو الأعظم أو الأضخم.. الخ.. نعم الأميركان يفضلون الضخامة في حين أن الأوروبيين - كما يتصور المؤلف - يفضلون الأمور المركبة أو الأكثر تعقيدا.. وعلى العكس يأتي اليابانيون الذين يفضلون دقة الحجم وتصغير الأشياء.. لا عجب أن ظلوا بجهاز الراديو يحاولون تصغير حجمه إلى أن اخترعوا الترانزستور..
سكان الصين - كما يضيف المؤلف - هم أربعة أضعاف سكان أميركا.. ضخمة هي أيضا ولكنها فقيرة كما ظل يتصور الأميركان الذين يستمدون معظم معلوماتها عن الصين من رواية «الأرض الطيبة» التي صورت مؤلفتها «بيرل بَك» الصين مجتمعا زراعيا حافلا بفقر الفلاحين وطمع ملاك الأراضي وقسوة المجاعات وغوائل الفيضانات واجتياح الأوبئة وتفشي الفقر.
مع هذا كله فلا يزال مثقفو الأميركان يحيلون إلى مقولة نابليون الشهيرة:احذروا هذا المارد المسمى بالصين - دعوه غارقا في سباته العميق.. لو استيقظ هذا المارد الأصفر.. فلسوف تهتز قوائم العالم والذي حدث أن اجتاحت الصين ثورات وتغيرات وتحولات سياسية ومذهبية واجتماعية: بعضها كان وئيداً ومعظمها كان عاصفاً وعتياً إلى أن جاءت السنوات الأخيرة من القرن العشرين.
وبالذات في عام 1979 الذي شهد اثنين من الأحداث التي حفرت عميقا في ذاكرة القرن الماضي: أولهما قيام الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان وكان ذلك هو المسمار الأخير في نعش الكيان السوفيتي. والثاني هو انطلاق الإصلاحات الاقتصادية في الصين وكانت تلك هي مقدمة التحولات التي وضعت الصين بكل اقتدار على قائمة الدول التي يحسب لها أكثر من حساب..
فما بالك وقد استمع العالم إلى نبرة جديدة رددها الخطاب السياسي - الحزبي في الصين.. قالت هذه النبرة: أيها الرفاق.. نحن ندعوكم إلى قليل من الأيديولوجية - وكثير.. كثير من الإصلاح والتحولات الاقتصادية.. لا يهم الموقع العقائدي الذي نتحرك منه.. الأهم أن نحقق أهدافنا في التحول الاقتصادي ومن ثم الاجتماعي.. لا يهم أن تكون القطة سوداء أو بيضاء.. الأهم أن تكون قادرة على اصطياد الفئران.
بعدها انطلقت الصين على مدارج التنمية ذات الطابع البرغماتي.. الواقعي والعملي بالدرجة الأولى.. تخطو الآن نحو العام الثلاثين من التجربة (وربما تعانى حاليا من آثار الكوارث الطبيعية المدمرة) ولكنها حققت - كما يؤكد كتابنا (ص 89) أسرع معدل لنمو اقتصاد ضخم في التاريخ بلغ 9 في المائة على مدار تلك الأعوام التي قاربت الثلاثين.. وهكذا حق لعالم كبير مهتم بتطورات الاقتصاد الدولي هو البروفيسور جيفري ساكس أن يقول:إن الصين هي أنجح قصة تنمية في تاريخ العالم
أكثر من هذا أثبتت تجربة الصين - كما يوضح المؤلف - أن بالإمكان الجمع بين آلية التخطيط المركزي (من خلال تعليمات الحزب الحاكم) وبين فسح الفرصة لقوانين السوق الرأسمالية كي تؤدي دورها ما دام الجانبان يعملان لصالح نمو الاقتصاد.
يلفت نظر المؤلف.. وأنظارنا أيضا - أن الصين تتبع في إدارة سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية نهجا يراه المؤلف ونراه من جانبنا أنجح بكثير من الأسلوب الأميركي.. وعلى حد قول الباحث الأميركي «كوبر رامو» فإن الصين تتجنب أسلوب أميركا في ممارسة سياستها الخارجية - ذلك القائم على أساس استعراض القوة وصليل السلاح وعدم التسامح مع آراء الآخرين..
إن قوة الصين الناشئة والبازغة - يضيف الباحث الأميركي - تقوم على أساسين هما مواصلة النمو الاقتصادي وصون السيادة الوطنية. وإذن فالقوة العفية البازغة في الصين من شأنها أن تشكل تحديا مستجدا أمام أميركا التي تعودت من الخصم السوفيتي السابق أن يكون التحدي على أرضية التسلح.. فاستطاعت واشنطون أن تغلبه على أرضية الاقتصاد وها هو المتحدي الصيني لا يخوض منافسة السلاح بل ها هو يشهر في حلبة المنافسة أدوات النمو الاقتصادي الواثق.. السريع.. والمطرد باستمرار.
كيف السبيل إذن إلى مواجهة هذا التحدي؟ المؤلف يختتم الفصل الرابع بعبارات يقول فيها: لقد عمدت النخب السياسية في أميركا إلى تركيز أنظارها على قوة صاعدة أخرى.. تكاد تتاخم (الخصم) الصيني قوة اسمها... الهند.
اضاءة
يقول زكريا في معرض رصده لموقف الأميركيين تجاه الصين: الأميركان معجبون بالصين.. لأنهم يعجبون بكل شيء كبير أو بالغ الضخامة: تأمل مثلا ضخامة السيارات التي صنعوها.. شطائر السندوتش ذات الطبقات الثلاث التي يفضلونها، الأسماء الفخيمة التي يتداولونها في حياتهم اليومية.. ومنها مثلا إمباير ستيت حين كانت أعلى «عمارة» في العالم..
أو محطة غراند سنترال في نيويورك حيث غراند تعني الأكبر أو الأعظم أو الأضخم.. الخ.. نعم الأميركان يفضلون الضخامة في حين أن الأوروبيين ـ كما يتصور المؤلف ـ يفضلون الأمور المركبة أو الأكثر تعقيداً.. وعلى العكس يأتي اليابانيون الذين يفضلون دقة الحجم وتصغير الأشياء..
لا عجب أن ظلوا بجهاز الراديو يحاولون تصغير حجمه إلى أن اخترعوا الترانزستور.. سكان الصين ـ كما يضيف المؤلف ـ هم أربعة أضعاف سكان أميركا.. ضخمة هي أيضا ولكنها فقيرة كما ظل يتصور الأميركان الذين يستمدون معظم المعلومات عن الصين من رواية «الأرض الطيبة» التي صورت مؤلفتها «بيرل بَك» الصين مجتمعا زراعيا حافلا بفقر الفلاحين وطمع ملاك الأراضي وقسوة المجاعات وغوائل الفيضانات واجتياح الأوبئة وتفشي الفقر.
الصفحات: 292
الكتاب: عالم ما بعد أميركا
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: نورتون وشركاه - نيويورك

