في مشهد استثنائي واصل قادة الأحزاب الألمانية الحملات الدعائية حتى عشية يوم الاقتراع الذي يصادف اليوم. هذه الممارسة غير المألوفة في الرصيد السياسي الألماني تدلل على شراسة المنافسة بين قطبي المعركة، المستشار غيرهارد شرودر زعيم الحزب الاشتراكي وأنجيلا ميركيل زعيمة الحزب الديمقراطي التي تراهن على دخول التاريخ من بوابة المستشارية لتصبح أول امرأة تشغل المنصب الألماني، ولا سيما أن أحدث الاستطلاعات أعطتها أفضلية ضئيلة.
غير أن شراسة المنافسة تعود في واقع الأمر إلى تردد الناخبين الألمان الذين يبلغ عددهم 61 مليون نسمة إزاء التفضيل بين المستشار الحالي ومنافسته وراء هذا التردد اختيار صعب بين الإبقاء على شرودر لمواصلة سياساته الحالية التي عطلت ماكينة الاقتصاد وضخمت جيش البطالة وهما المحوران الأساسيان في المعركة السياسية والخيار الآخر لا يبدو أكثر جاذبية،
ذلك أن ميركيل واجهت الألمان بأنه لابد من إجراءات مؤلمة من أجل تصحيح مسار الاقتصاد وخفض البطالة، ويتمثل جانب من تلك الإجراءات القاسية في زيادة الضرائب وكبح التسهيلات الاجتماعية في سبيل إيجاد فرص أوسع للعمل.
هكذا يجد الألمان أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ لذلك يقف أكثر من 25 في المئة من الناخبين في منطقة رمادية حائرين إزاء أي الخيارين، يزدردون بصعوبة، لهذا تقول أجهزة الإعلام الألمانية ان الانتخابات الحالية تعد الأكثر إرباكاً منذ عقود بحيث يصعب الجزم مبكراً بنتائجها كل استطلاعات الرأي العام تضع الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة ميركيل في المقدمة لكنها لا تمنحه الغالبية التي تتيح له تشكيل حكومة منفرداً كما أنها لا تجزم بغالبية مريحة مع حلفائه تؤمن له الحكم على نحو ما تأمل ميركيل وأركان إدارة حملتها.
من المؤكد أن الناخبين الواقفين على الرصيف لن يحتكموا عشية الاقتراع إلى برامج الحزبين، ولكنهم سيقعون تحت تأثير عنصرين حاسمين أحدهما كاريزما المرشحين والثاني مؤشرات استطلاعات الرأي العام التي لا تصنع في الواقع رأياً عاماً بقدر ما تنسج مزاجاً عاماً ضاغطاً.
وهذا ما فرض على شرودر وميركيل البقاء في حلبة المنافسة أمام عدسات التلفزة حتى اليوم الأخير على غير العادة إذ يرغب كل منهما في استخدام جاذبيته في التأثير على الناخب واستمالة مراكز إدارة استطلاعات الرأي العام.
مع التسليم بمهارات شرودر التي لا تجارى داخل البؤرة الإعلامية وتقديم نفسه زعيماً يصعب إيجاد بديل عنه فإن انجيلا ميركيل تكتسب إغراء لا يقاوم باعتبارها أول امرأة تقترب من الفوز بمنصب المستشار لكنها تفتقر في الوقت نفسه إلى مغناطيسية الأنثى في المظهر العام على النحو الذي يضمن جذب الناخبين.
بعض أركان إدارة حملتها يعترفون بهذا العنصر السلبي غير أنهم يبررون ذلك باعتباره هدفاً مقصوداً لذاته من منطلق أن ميركيل ترفض الفوز استناداً إلى كونها مجرد امرأة لكن لا أحد ينكر أن لهذا العنصر نفاذه.
كما أن ميركيل تملك عنصراً آخر ذا حدين وهو انتماؤها إلى الشطر الشرقي من ألمانيا فبينما يرى ناخبون في ذلك إغراء يتيح لها حصد أصوات أبناء وبنات ذلك الجزء من ألمانيا فإن بعضاً يراه مثلبة ضد نجاح ميركيل إذ هو يجسد سلبية تجاهر ألمانيا الموحدة في تخطيها لذلك فإن ميركيل ومديري حملتها لا يعزفون على هذا الوتر أو يحرصون على تجاوزه.
ليست ألمانيا وحدها التي تصحو اليوم وجلة، فالعديد من العواصم الأوروبية تترقب نتيجة الانتخابات الألمانية في كثير من القلق. كل أوروبا باتت تنظر إلى برلين بعد سقوط الجدار وتحقيق الوحدة لمعرفة الاتجاه الذي تسير نحوه القارة، فبرلين أمست أكثر العواصم الأوروبية ضجيجاً بالحيوية والجدل على المستوى السياسي فضلاً عن اقتصادها الأقوى.
إذا كان أنصار شرودر يترقبون النتائج بقلق أكثر من غيرهم فإن التيارات المحافظة على صعيد أوروبا تنتظر النتائج الألمانية بكثير من اللهف فانجيلا ميركيل تجسد في نظر أولئك انموذجاً لنزعة البعث الأوروبي القائمة على مواجهة الحقائق. من أبرز هؤلاء المتطلعين الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يتأهب هو الآخر لخوض انتخابات الرئاسة بعد سنتين أو ربما أبكر لأسباب بيولوجية.
من يتأمل عدد المترددين وسط الناخبين الألمان يدرك أن هذا التردد نابع من رغبة قوية في عدم منح أي من المتنافسين الأغلبية لإدارة شؤون البلاد منفرداً.
ثمة قناعة بعدم جدوى استمرار سياسات الاشتراكيين الحالية ولكن هناك قناعة أخرى مماثلة بالخوف من مغامرات الديمقراطيين ولذلك يتمنى الألمان أن يضطر شرودر وميركيل للدخول في ائتلاف ثنائي، قد يكون ذلك خياراً مريحاً للألمان يجعلهم يراهنون على دفع عجلة الاقتصاد وتفادي الإجراءات المؤلمة التي تعهدت بها ميركيل.
لكن من المؤكد أن هذا الائتلاف لن يكون خياراً مريحاً لأي من الحزبين ومن الصعب القول أنه المخرج الأفضل للوضع الألماني المأزوم.