في المنعطفات الكبرى من التاريخ، لا تُخاض المعارك على الأرض فقط، بل في العقول والنفوس، وفي الإعلام والتواصل قبل ذلك وأثناءه، وفي هذه العجالة نتناول "لغة الإعلام" في الأحداث الكبرى، حيث لم يعد "الخبر" نقلاً محايداً للوقائع فقط، بل تطوّر ليصبح وسيلة لتوجيه الرأي العام وصناعة الإدراك الجمعي، فالكلمات مختارة بعناية لتعيد بناء وعي الجماهير، وتمنحه أبعاداً سياسية وقانونية وأخلاقية قد تسبق الحقيقة ذاتها أو تطغى عليها.
وفي هذا السياق، تمثل قضية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة مثالاً كاشفاً على هذا التحوّل، حيث انتقلت اللغة الإعلامية من دورها الإخباري إلى دور أكثر تأثيراً في تطبيع الحدث أو تجريده من خطورته، وهو ما ينسجم مع ما ذهب إليه المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير"، حين أشار إلى أن الجماهير لا تتفاعل مع الوقائع بقدر ما تتفاعل مع الصور الذهنية التي تصنعها الكلمات، وأن المفردات حين تُكرَّر وتُقدَّم في إطار معيّن، تصبح قادرة على توجيه المشاعر وصناعة القناعات، بغضّ النظر عن تعقيد الحقيقة أو تناقضها.
منذ الساعات الأولى، بدا الانقسام واضحاً داخل الإعلام الأميركي نفسه. فوسائل إعلام محافظة قدّمت الحدث بوصفه انتصاراً للعدالة، مستخدمة توصيفات من قبيل «اعتقال الديكتاتور» أو «الإطاحة بزعيم متورط في الإرهاب وتهريب المخدرات». هذه اللغة نزعت عن مادورو صفته السيادية، وقدّمته بوصفه مجرماً عابراً للحدود، ما سهّل تقبّل فكرة إخضاعه للقضاء الأميركي.
في المقابل، تعاملت وسائل إعلام أميركية أخرى، ذات توجهات ليبرالية أو مستقلة، بحذر أكبر. فقد استخدمت توصيفات أقل حدّة، مثل «الرئيس الفنزويلي» أو «زعيم فنزويلا»، وركّزت على الأسئلة القانونية والسياسية التي أثارها الحدث، خصوصاً ما يتعلق بشرعية العملية، وغياب تفويض دولي، وإمكانية تعارضها مع القانون الدولي ومبدأ حصانة رؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم.
هذا التباين في المفردات لم يكن لغوياً فقط، بل عكس اختلافاً جذرياً في تأطير الحدث: هل هو تطبيق للقانون، أم خرق له باسم القوة؟
تغييب
من أبرز سمات التغطية الإعلامية في هذا الحدث تغييب الفاعل، فقد ظهرت عناوين من نوع: «مثول مادورو أمام المحكمة»، «بدء الإجراءات القضائية في نيويورك»، من دون توضيح الكيفية التي انتُزع بها رئيس دولة ذات سيادة من بلاده.
هذا الأسلوب أسقط من السرد سؤالاً جوهرياً: كيف ولماذا جرى ذلك ومن فعله؟ وبذلك، تحوّل الحدث من «فعل سياسي استثنائي» إلى مجرد مسار قضائي يبدو طبيعياً، وهو ما يسهم في تطبيع ما قد يُعدّ، وفق معايير القانون الدولي، سابقة خطيرة.
انتهاك
في فنزويلا، انقسم المشهد الإعلامي بحدة تعكس الانقسام السياسي العميق في البلاد؛ فقد وصفت وسائل الإعلام الرسمية ما جرى بأنه «اختطاف» و«عدوان عسكري» و«انتهاك صارخ للسيادة»، مستخدمة لغة تعبوية لاستنهاض الشعور الوطني، وربط الحدث بتاريخ طويل من التدخلات الخارجية في أميركا اللاتينية.
في المقابل، احتفت منصات إعلامية معارضة ومواقع ناطقة باسم الجاليات الفنزويلية في الخارج بالحدث، واعتبرته لحظة تحوّل تاريخية، مستخدمة مفردات مثل «الاعتقال» و«نهاية الحقبة».
غير أن بعض الأصوات المعارضة نفسها لم تُخفِ قلقها من السابقة القانونية التي قد تفتح الباب أمام استهداف قادة دول آخرين خارج أي إطار دولي جامع.
قلق
في الإعلام الدولي، ولا سيما الأوروبي والآسيوي، غلبت نبرة القلق والتحذير، حيث استخدمت مؤسسات إعلامية كبرى توصيفات من قبيل «عملية أميركية لاعتقال رئيس دولة»، أو «تحرك غير مسبوق»، مع إبراز ردود الفعل الدولية المنددة، وتسليط الضوء على التداعيات القانونية والسياسية.
وسائل إعلام دولية بارزة استحضرت فوراً مفاهيم «السيادة» و«حظر استخدام القوة» و«ميثاق الأمم المتحدة»، وربطت الحدث بتآكل النظام الدولي القائم منذ عام 1945. كما أعطت مساحة واسعة لتصريحات دول رأت في ما جرى انتهاكاً خطيراً قد يُقوّض ما تبقى من قواعد النظام الدولي.
في المقابل، جاءت تغطيات إعلام دول أخرى ذات خصومة سياسية مع واشنطن أكثر حدّة، ووصفت الحدث صراحة بأنه «اختطاف» و«جريمة دولية»، محذّرة من منطق «القانون بالقوة».
معركة
أحد أخطر أوجه التغطية تمثل في معركة المصطلحات.. فمصطلح «الاعتقال» يوحي بإجراء قانوني مشروع، بينما يحمل مصطلح «الاختطاف» دلالة الإكراه واللاشرعية. اختيار أحد المصطلحين ليس بريئاً، بل يحدد منذ البداية زاوية الفهم والتعاطي مع الحدث.
كذلك، فإن وصف مادورو بـ«الرئيس» أو «الزعيم» أو «الديكتاتور» ليس تفصيلاً لغوياً، بل قرار تحريري يحدد ما إذا كان القارئ سيتعامل مع الحدث كمسألة سيادة أم كملف جنائي.
ومع مرور الساعات، وتكرار التوصيفات الإجرائية، بدأت خطورة الحدث تتراجع في الوعي العام، وتحول من سابقة صادمة إلى خبر اعتيادي، ثم إلى نقاش قانوني تقني. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية للغة الإعلامية؛ قدرتها على تطبيع الاستثناء وتحويله إلى أمر مألوف.
صناعة
تُظهر التجارب أن الجمهور غالباً ما يتبنى الرواية التي تتوافق مع الإطار اللغوي السائد في وسائل الإعلام التي يستهلكها، وهو ما يفسّر التباين الحاد في ردود الفعل بين المجتمعات المختلفة. وتكشف قضية اعتقال نيكولاس مادورو أن الكلمات قد تمنح الشرعية أو تنزعها، وقد تحوّل الانتهاك إلى إجراء، والاستثناء إلى قاعدة. ومع تآكل قواعد النظام الدولي، تصبح اللغة الإعلامية سلاحاً لا يقل تأثيراً عن القوة ذاتها، تلك التي ترسم الموقف بعيداً عن كل منطق أو مبدأ.




