ثورة الضفادع.. كيف أعاد"بيبي"صياغة الرموز السياسة الأمريكية؟

تبدأ القصة من مفارقة مذهلة؛ ففي عالم السياسة الرقمية، لم يعد التأثير الأقوى يكمن في الخطابات الرنانة، بل في كائن برمائي أخضر بعيون جاحظة، لسنوات طويلة، ظل الضفدع "بيبي" (Pepe) مرتبطاً باتجاهات اليمين  الأمريكي المتطرف وسياقاتها المثيرة للجدل.

لكن الشوارع الأمريكية شهدت مؤخراً واحدة من أغرب عمليات "إعادة الصياغة الثقافية" في التاريخ الحديث.

لقد استطاع المتظاهرون انتزاع هذا الرمز من قوالبه القديمة، وتحويله إلى درع هزلي يواجه التحديات بروح السخرية والمقاومة السلمية، معلنين أن الرموز تتغير حسب من يمتلك الشجاعة لإعادة رسم ملامحها وتوجيه بوصلتها نحو قضايا العدالة والإنسانية.

​يكمن السر في استراتيجية ملهمة تُعرف بـ "العبث التكتيكي"، وهي فن تحويل الاحتجاج من مواجهة صدامية إلى تجربة تواصلية تنزع سلاح الخصم معنوياً.

ظهرت هذه الاستراتيجية بوضوح خلال تظاهرات مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، التي لم تكن مجرد تجمع عفوي، بل كانت انفجاراً للمشاعر المكبوتة ضد سياسات الهجرة.

لقد كان السبب الجوهري هو السخط الشعبي من ممارسات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة (ICE)، التي اتُهمت بتبني إجراءات قاسية، مما حول مرافق الاحتجاز التابعة لها إلى بؤر للتوتر والاحتجاج المستمر الذي يسعى لإيصال صوت من لا صوت لهم.

​تعمقت جذور هذه المظاهرات "الضفدعية" عندما اتخذت الإدارة المركزية آنذاك قراراً مثيراً للجدل بإرسال "القوات الفيدرالية" والحرس الوطني إلى شوارع بورتلاند، واصفة المدينة بأنها "منطقة حرب".

وهنا، قرر المتظاهرون كسر هذه السردية الرسمية بطريقة عبقرية؛ فبدلاً من الانجرار إلى العنف الذي كان سيؤكد رواية السلطة، ارتدوا أزياء الضفادع المنفوخة.

كان الهدف هو خلق تضاد بصري صادم؛ قوات أمنية بملابس عسكرية كاملة وأسلحة ثقيلة في مواجهة "بالونات" خضراء ضخمة تجسد البراءة والسخافة التكتيكية.

هذا المشهد جعل وصف المدينة بـ "ساحة الحرب" يبدو عبثياً ومبالغاً فيه أمام عدسات الكاميرات العالمية، وحول القمع إلى مادة تثير التساؤل والتعاطف بدلاً من الرهبة.

​لم يكن اختيار الضفدع صدفة، بل كان رداً سياسياً ذكياً على استخدام السلطة لمصطلحات القوة والترهيب. بدأت اللحظة الفارقة عندما تعرض أحد المتظاهرين بزي ضفدع منفوخ لرش مواد كيميائية مباشرة داخل فتحة تهوية الزي، في محاولة لإسكات هذا الرمز الساخر.

لكن رد فعل المتظاهر الهادئ، الذي حول الألم إلى فكاهة، أثبت أن الأفكار لا تُخنق إذا نُقلت بذكاء ثقافي.

لقد أدرك هؤلاء المتظاهرون أن السيطرة على "الصورة الذهنية" هي المعركة الحقيقية، فأسسوا مبادرة "عملية النفخ" التي حولت الزي التنكري إلى أداة تعبير مدنية، لتغيير السردية الرسمية التي وصفتهم بالـ "غوغاء"، واستبدالها بصورة "المجتمع المبتكر" الذي يطرح تساؤلاته بأدوات الفن والبهجة.

​في نهاية المطاف، تعكس قصة "الضفدع" تحولاً سوسيولوجياً عميقاً في كيفية استخدام الرموز ضمن الحركات الاجتماعية المعاصرة؛ فهي توضح أن المعاني الثقافية ليست قوالب ثابتة، بل هي أدوات مرنة تتشكل وتتغير وفقاً للسياق السياسي والميداني.

لقد كشفت أحداث" بورتلاند" كيف يمكن لرمز رقمي مثير للجدل أن يُعاد تدويره ليتحول إلى وسيلة تعبير بصري تهدف إلى تقليل حدة المواجهة وتغيير نمط التواصل بين المتظاهرين وقوات الأمن.

هذه الظاهرة جذبت الانتباه العالمي يؤكد أن فاعلية الاحتجاج الحديث لم تعد تعتمد فقط على حجم الحشود، بل على القدرة على ابتكار لغة بصرية قادرة على التأثير في الرأي العام، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول مستقبل "دبلوماسية الميمات" ودور الفكاهة التكتيكية في صياغة المشهد السياسي العالمي،معتمده في ذلك على  الصور أو الفيديوهات الساخرة واسعة الانتشار كأداة للتواصل السياسي بين الدول، أو للتأثير في الرأي العام العالمي.