البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.. جناحا بريتون وودز لإدارة الاقتصاد العالمي

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في عام 1944، اجتمعت عشرات الدول في بلدة بريتون وودز في ريف واشنطن الأمريكية لتأسيس نظام مالي عالمي جديد يمنع تكرار الفوضى الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.

من رحم ذلك الاجتماع خرجت مؤسستان ما زالتا حتى اليوم تمثلان حجر الأساس في الهيكل الاقتصادي العالمي: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ورغم أن تأسيسهما جاء من نفس الفكرة والمرحلة التاريخية، إلا أن دور كل منهما مختلف جوهرياً، وإن كانا يعملان في مسارات متقاطعة نحو هدف واحد: استقرار وازدهار الاقتصاد العالمي.

البنك الدولي يُعنى في المقام الأول بتمويل مشاريع التنمية طويلة الأجل في الدول النامية والمتوسطة الدخل، ويوفر قروضاً ومنحاً مالية، إضافة إلى مساعدات فنية لدعم قطاعات حيوية كالتعليم، الصحة، المياه، البنية التحتية والطاقة، وتتمثل رسالته الأساسية في الحد من الفقر وتعزيز التنمية المستدامة، وغالباً ما يتدخل في الدول التي تحتاج إلى إعادة بناء أو تحديث هياكلها الاقتصادية والاجتماعية، يتكون البنك من خمس مؤسسات، منها البنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية، وهما الأكثر نشاطاً في مجال القروض التنموية.

على الجانب الآخر، يتخصص صندوق النقد الدولي في دعم الاستقرار المالي والنقدي للدول، وخاصة تلك التي تواجه أزمات اقتصادية حادة أو اختلالات مزمنة في ميزان المدفوعات، فيقدم لها قروضاً قصيرة أو متوسطة الأجل، مشروطة عادةً بإصلاحات اقتصادية جوهرية تطال السياسات المالية والنقدية وسوق العمل والدعم الحكومي، كما يلعب الصندوق دوراً رقابياً من خلال مراقبة الأداء الاقتصادي للدول الأعضاء وتقديم المشورة السياسية والتقنية لها، الصندوق يتمتع بعضوية شبه عالمية تضم 190 دولة، ويُعد المرجع الأول عند الحديث عن الأزمات المالية الدولية.

ورغم التباين بين المؤسستين في الأهداف والأدوات، إلا أن العلاقة بينهما تتسم بالتكامل، ففي العديد من الدول التي تعاني من مشكلات اقتصادية وهيكلية، يعمل الصندوق على استعادة التوازن المالي والنقدي، بينما يتدخل البنك في الجانب التنموي لضمان استدامة الإصلاحات وتحقيق نتائج ملموسة للمجتمعات، وقد تجلت هذه الشراكة في عدة حالات، منها الأزمة اللبنانية والسريلانكية، حيث عمل الصندوق على إعادة ضبط التوازن المالي، في حين قدم البنك الدولي الدعم لمشاريع حيوية في التعليم والطاقة والخدمات الاجتماعية.

اليوم، وبينما يواجه العالم تحديات اقتصادية معقدة تتراوح بين تصاعد الديون وتغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي، تتصاعد الأصوات التي تطالب بتحديث دور هاتين المؤسستين العريقتين، فبينما يُنظر إلى البنك الدولي باعتباره محركاً للتنمية، يرى البعض في سياسات صندوق النقد الدولي نهجاً تقشفياً يثقل كاهل الشعوب. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المؤسستين تبقيان، حتى إشعار آخر، المرجع الأهم والأكثر تأثيراً في مسار الاقتصاد العالمي الحديث.