هارفارد VS البيت الأبيض.. المعرفة في أتون السلطة

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ عودته إلى الحكم، عداءه المتجدد للمؤسسات الأكاديمية النخبوية، وعلى رأسها جامعة هارفارد، لكن ما بدا تحفّظاً على توجهات فكرية، تصاعد في 2025 إلى صدام سياسي علني، بعدما وجّهت إدارته إنذاراً إلى الجامعة، تضمّن قائمة من الشروط المفروضة مقابل استمرار التمويل الفيدرالي، وهو ما اعتبر تهديداً غير مسبوق لاستقلال التعليم العالي في الولايات المتحدة.

التصعيد جاء في أعقاب احتجاجات طلابية مؤيدة لفلسطين شهدها الحرم الجامعي أواخر 2023، واتهمت إدارة حملة ترامب في ذلك الوقت الجامعة بـ"ترويج خطاب معادٍ لأميركا ولليهود".

اليوم، وبعد أن وصل ترامب إلى البيت الأبيض، وصف مستشاره للأمن الداخلي ستيفن ميلر، تلك التحركات بأنها "خطاب مريض مستوحى من الإرهابيين"، وهدد بسحب الإعفاء الضريبي الذي تتمتع به الجامعة منذ عقود، وهو ما نقلته صحيفة "نيوزويك" ووكالة "رويترز" في تغطيات متزامنة.

المواجهة لم تتوقف عند ذلك، ففي أبريل الجاري، أرسلت وزارات التعليم والصحة والعدل الأميركية خطابات رسمية إلى الجامعة تطالب بإعادة هيكلة المناهج، وإنهاء برامج التنوع والاندماج، وتشديد الرقابة على النشاط الطلابي، وفرض قيود على قبول الطلبة الأجانب الذين "لا يتماشون مع القيم الأميركية"، وهي صيغة وصفتها هارفارد بأنها غامضة وتخالف التعديل الدستوري الأول.

حق دستوري

رئيس جامعة هارفارد بالوكالة، آلان غاربر، ردّ برسالة شديدة اللهجة، قال فيها إن هارفارد "لن تتنازل عن استقلالها الأكاديمي أو عن حقوقها الدستورية"، ورفض ما سمّاه "تنظيماً حكومياً مباشراً للأجواء الفكرية داخل الحرم الجامعي"، وقد نقلت مجلة "بوليتيكو" هذا الرد ضمن تحقيق مطول، وصف المواجهة بأنها "لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الحكومة الفدرالية والجامعات الأميركية".

وفي خطوة تصعيدية، أعلنت الإدارة الأميركية تجميد أكثر من 2.3 مليار دولار من المنح والعقود الفدرالية المخصصة لهارفارد، معظمها لدعم أبحاث طبية وعلمية، بحسب "رويترز".

وصف البيت الأبيض الإجراء بأنه "إعادة توجيه للتمويل نحو جامعات لا تسيء استخدامه"، لكن نقابة أساتذة هارفارد رفعت دعوى فيدرالية، تتهم فيها الحكومة بـ"الابتزاز السياسي" واستغلال التمويل الفيدرالي للضغط على حرية الفكر والتعليم.

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها هارفارد سياسات ترامب، ففي 2020، رفعت الجامعة دعوى بالاشتراك مع معهد MIT (معهد ماساتشوستس للتقنية) ضد قرار إدارة ترامب إلغاء تأشيرات الطلاب الأجانب في حال إكمالهم التعليم عن بُعد، ما أجبر الحكومة على التراجع.

وفي العام نفسه، اضطرت هارفارد لردّ 9 ملايين دولار تلقَّتها ضمن خطة الإغاثة من كورونا، إثر ضغط علني من ترامب الذي قال إن "أغنى جامعة في العالم لا تحتاج إلى أموال دافعي الضرائب"، كما أوردت "سي إن إن".

قلعة النخبة

الخلاف بين الطرفين يتجاوز الحوادث المعزولة، ليعكس صراعاً أوسع بين الخطاب الشعبوي الذي يمثله ترامب، والنخبة الأكاديمية التي تجسّدها هارفارد، حيث دأب ترامب على توصيف الجامعة بأنها "قلعة للنخبة الليبرالية المنفصلة عن الشعب"، بينما ترى الجامعة نفسها حامية لقيم البحث العلمي والتعددية الفكرية.

ويزداد التوتر عندما ندرك أن هارفارد ليست مؤسسة تعليمية عادية، فقد تخرج فيها ثمانية رؤساء أميركيين، من جون آدامز إلى باراك أوباما، ويشغل خريجوها مئات المناصب في الكونغرس، والمناصب العليا في القضاء، والإدارات المتعاقبة. فعلى سبيل المثال، ضم الكونغرس الـ117 (2021–2023) أكثر من 50 عضواً من خريجي هارفارد، وفقاً لبيانات حكومية.

كذلك، هيمنت شهادات هارفارد على المحكمة العليا، حيث تخرج فيها 15 قاضياً من أصل 60 بين عامي 1902 و2022، حسب تقرير لـ"ماديسون 365" حول تركيبة القضاء الأميركي.

انتقادات

ولا تقتصر بصمة الجامعة على المسؤولين المنتخبين، بل تمتد إلى مراكز الفكر المؤثرة في السياسات العامة، ومع ذلك، تواجه انتقادات متزايدة تتعلق بامتيازات القبول لأبناء الخريجين، وتمييزها العرقي غير المباشر.

ففي 2023، أصدرت المحكمة العليا الأميركية حكماً يلغي العمل بالتمييز الإيجابي في القبول الجامعي، بعد دعوى ضد هارفارد اتهمتها بالتمييز ضد الطلاب من أصول آسيوية، كما نقلت "نيويورك تايمز".

أعقب ذلك فتح وزارة التعليم الفيدرالية تحقيقاً في تفضيل الجامعة لأبناء الخريجين والمتبرعين، حيث كشفت بيانات داخلية أن نحو 15% من المقبولين سنوياً تربطهم صلة عائلية بهارفارد.

هذه الوقائع زادت من النقد العام الموجّه للجامعات النخبوية، باعتبارها معاقل للامتياز الوراثي والبعد الطبقي، وهي حجج كثيراً ما يستخدمها ترامب لتبرير حملته على هارفارد ومثيلاتها، غير أن مؤيدي الجامعة يرون في سياسات ترامب تهديداً خطيراً للتعليم الحر، ومحاولة لفرض الأيديولوجيا على المؤسسات المستقلة.

مع عودة ترامب، يبدأ فصل جديد من المواجهة المتكررة بين مركزية المعرفة والنفوذ الأكاديمي من جهة، وموجة الشعبوية والسياسات الموجهة من جهة أخرى، ما يضع العلاقة بين الدولة والجامعة على المحك، ويرسم ملامح التعليم، والسياسة، والنخبة الأميركية لعقود قادمة.