تقارب ترامب وبوتين.. ترقّب عالمي لصفقات وتنازلات

بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تحول لافت يثير الكثير من التساؤلات، يعيد رسم ملامح سياساته الخارجية، خصوصاً فيما يتعلق بعلاقته مع روسيا، إذ لم يتواصل زخم الحديث عن «الخصم التقليدي» كما كان في الإدارات السابقة، في ظل مشهد أكثر تعقيداً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية مع حسابات سياسية دقيقة.

يأتي تغير موقف ترامب حيال موسكو ليشكل انعكاساً لتلك الحسابات السياسية والاقتصادية، بما في ذلك تداخل التنافس مع الصين مع رؤيته الاقتصادية الانعزالية، ضمن جملة من المتغيرات في السياسة الخارجية.

هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل جاء في إطار رؤية أمريكية واضحة لإعادة ترتيب الأولويات على الساحة الدولية، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وبما يلبي تعهد ترامب أثناء حملته الانتخابية بإنهاء الحرب في أوكرانيا. وبدأ الرئيس الأمريكي مساعيه العملية لإبرام اتفاق سلام لإنهاء الحرب، باتصالات منفصلة مع نظيريه الروسي والأوكراني هذا الشهر، والتقى مسؤولون روس وأمريكيون كبار في الأيام الأخيرة لهذا الغرض، وسط اتهامات من جانب ترامب لأوكرانيا بأنها «لم يكن ينبغي لها بدء الحرب»، في مقابل تصريحات مرنة حيال العلاقة مع موسكو.

أسباب رئيسية

من روسيا، يقول الأستاذ بكلية موسكو العليا، رامي القليوبي، لـ«البيان»، إن ثمة أسباباً عدة لتغير موقف ترامب تجاه روسيا؛ أولها أن الرئيس الأمريكي يرى أن الصين هي الخصم الرئيسي للولايات المتحدة في القرن الـ21، وليس روسيا، ويدرك أن واشنطن لا يمكنها أن تكون في حالة خصومة مع قوتين بحجم روسيا والصين في آنٍ معاً، وبالتالي يسعى لتطبيع العلاقات مع موسكو وعقد صفقات جديدة على حساب الصين.

ثاني تلك الأسباب يرتبط بانتماء ترامب نفسه إلى فريق الانعزاليين والمناهضين للعولمة، ويرفع شعار «أمريكا أولاً»، ليس كمجرد شعار، وإنما كمنهجية ثابتة للسياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، فهو يرى أن قوة الولايات المتحدة تكمن في هيمنة الدولار وخلق الوظائف والتنمية الاقتصادية، بينما على الجانب الآخر أدت العقوبات الغربية على روسيا إلى نتائج عكسية، بعد أن أصبحت روسيا تعتمد في تجارتها مع العديد من الدول مثل الصين والهند على العملات الوطنية، ما يهدد بتراجع حصة الدولار في التجارة العالمية.

أما العامل الثالث، وفق القليوبي، فيرتبط بشكل مباشر بالعلاقة الوطيدة بين ترامب وبوتين، فكلاهما ينتمي إلى فريق غير تقليدي. كان بوتين رجل مخابرات، وترامب رجل أعمال، وبالتالي يجدان لغة مشتركة بينهما.

وكان ترامب قد صعّد من لهجته ضد أوكرانيا والرئيس فولوديمير زيلينسكي، بما شكّل خروجاً حاداً عن الموقف الذي غلف سياسات البيت الأبيض في عهد سلفه جو بايدن، بينما على الجانب الآخر ذكر أن الروس يريدون إنهاء الحرب، مشيراً إلى امتلاك بوتين «الكثير من الأوراق» باعتبار أن موسكو سيطرت على الكثير من الأراضي بالفعل.

رؤية أمريكية لإنهاء الحرب

التحول المفاجئ في سياسات الإدارة الأمريكية يرتكز على رؤية واضحة بأن الحل الوحيد للأزمة الأوكرانية يتمثل في وقف الدعم العسكري لكييف، مع إعادة النظر في السياسات الأوروبية التي ساندتها إدارة جو بايدن، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة من قبل واشنطن، بحسب الباحث السياسي من موسكو، ديمتري بريجع، في حديثه مع «البيان»، الذي يشدد على أنه رغم الدعم الغربي، لم تتمكن كييف من تحقيق اختراق استراتيجي على الجبهة الداخلية، ولم يؤدِّ التصعيد العسكري إلى استعادة المقاطعات الأربع أو حتى الحفاظ على بعض المناطق التي فقدتها في دونباس.

ويشير مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية إلى أن الحرب كانت مكلفة لجميع الأطراف، وقد أسفرت عن خسائر بشرية فادحة، كما أن آثارها امتدت لتعيد رسم المشهد السياسي والاقتصادي الدولي، خاصة بالنسبة لروسيا، التي اضطرت إلى إعادة بناء اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على الغرب. وبينما كانت هناك فرص للتفاوض والتوصل لحلول قبل فبراير 2022، فإنه وفق بريجع، فإن أوكرانيا، مدفوعة برهانها على دعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وجدت نفسها غارقة في مستنقع سياسي وعسكري يصعب الخروج منه بسهولة.

ووسط هذه الأوضاع، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرك تماماً أن استمرار دعم أوكرانيا يمثل استثماراً خاسراً على المدى الطويل، فترامب، بصفته رجل أعمال، ينظر دائماً إلى المستقبل ويدرك أن هذا الدعم قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة، وبالتالي يطمح ترامب إلى تحسين الوضع الاقتصادي الداخلي، وعقد صفقات متجنباً التورط في صراعات خارجية لا تخدم المصالح الأمريكية، في محاولة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني والتخفيف من الضغوط المالية التي قد تنجم عن استمرار الإنفاق العسكري في هذا النزاع، وهو ما يفسر بشكل كبير التقارب مع روسيا.