أبرز الخاسرين.. حلفاء ترامب يدفعون فاتورة "الانتخابات النصفية"

لم ترد أسماؤهم على بطاقات الاقتراع، لكنهم قد يكونون بين أكبر الخاسرين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. فالموجة الزرقاء التي منحت الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس لم تُسقط الرئيس دونالد ترامب، لكنها أسقطت «الكمال» في سيطرته على واشنطن. ومع هذا السقوط، صار كل من استمد قوته من تلك السيطرة مكشوفاً بقدر اعتماده عليها، في الداخل الأمريكي وخارجه.

فخلال العامين الماضيين، تشكّلت حول ترامب دوائر من النفوذ قامت على معادلة بسيطة: رئيس يملك البيت الأبيض، وحزب يملك الكونغرس، فلا رقابة تُذكر ولا قيود تُخشى. وكانت تلك قوة مستعارة لمن استند إليها، والانتخابات ألغت شروط الاستعارة.

عائلة الرئيس

تبدأ الفاتورة من أقرب الدوائر إلى الرئيس، فأبناؤه ليسوا جزءاً من الإدارة، لكنهم قد يكونون أول من يدفع الثمن. فبحسب وكالة «رويترز»، يضع الديمقراطيون مشاريع العائلة في العملات المشفرة، وشركة الاستثمار «1789 كابيتال» التي يملكها دونالد ترامب الابن، في صدارة أهداف تحقيقاتهم، التي يمكن أن تنطلق في فبراير المقبل. وكان موقع «أكسيوس» قد كشف أن مشروعاً للعملات المشفرة لم يكن قائماً تقريباً حين تسلم ترامب السلطة، درّ عليه نحو 1.2 مليار دولار خلال عام واحد. وينفي البيت الأبيض أي تضارب في المصالح، لكن الأسواق سبقت التحقيقات إلى الحكم، إذ تراجعت أسهم شركة «ترامب ميديا آند تكنولوجي»، التي يملك الرئيس 41% منها، بنسبة 11% بعد إعلان النتائج، بحسب «سي إن بي سي».

ولا يقتصر الأمر على العائلة، فالديمقراطيون الذين يتوقعون أن ترفض الإدارة طلباتهم أو تتجاهلها، يخططون للوصول إلى المعلومات عبر الشركات والمتعاقدين والمؤسسات المالية المتعاملة معها، ما يضع شبكة واسعة من المانحين والشركاء أمام مرحلة من الاستدعاءات وجلسات الاستماع.

ماسك.. "الداعم"

في الدائرة ذاتها، يقف إيلون ماسك، الذي راهن على هذه الانتخابات بنحو 366 مليون دولار لدعم الجمهوريين، متجاوزاً ما أنفقه في انتخابات 2024 الرئاسية. فجاءت النتائج، بحسب «سي إن بي سي»، رفضاً واسعاً له ولصناعة الذكاء الاصطناعي، التي أنفقت أبرز لجانها السياسية ملايين الدولارات لصالح الجمهوريين، في انتخابات تحولت فيها مراكز البيانات إلى قضية تثير غضب الناخبين من الحزبين. وبدا ترامب مدركاً لحجم انكشاف حليفه، حين تعهد قبل الانتخابات بيوم واحد بحمايته إذا فتح الديمقراطيون تحقيقات بحقه. وتحمل عودة الديمقراطي شيرود براون إلى مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو رمزية خاصة لهذه الصناعات، بعدما كان قد خسر مقعده عام 2024 إثر إنفاق ضخم من قطاع العملات المشفرة ضده.

نتنياهو..  خسارتان في أسبوع

تمتد الفاتورة إلى خارج الحدود، ففي إسرائيل جاءت النتائج بعد أسبوع واحد من خسارة ائتلاف بنيامين نتنياهو أغلبيته في الكنيست، حتى قالت المحللة الإسرائيلية الأمريكية ميراف زونشتاين إن نتنياهو «خسر انتخابين في أسبوع واحد». وترى «وكالة التلغراف اليهودية» أن ترامب الأضعف لا يبشر بالخير لرئيس وزراء ظل يعدّ الرئيس الأمريكي مظلة سياسية في الداخل والخارج. وسارع خصومه إلى استثمار اللحظة، إذ قال زعيم المعارضة يائير لابيد إن النتائج تلغي «أي إمكانية لحكومة وحدة بقيادة نتنياهو». ويتزامن ذلك مع صعود جيل من الديمقراطيين أكثر انتقاداً لحكومته، صوّت معظمهم في مجلس الشيوخ في أبريل الماضي لصالح تقييد بعض صفقات الأسلحة لإسرائيل، ومع إعلان ترامب نفسه، يوم الاقتراع، وقف المساعدات المالية السنوية لإسرائيل بنهاية العام.

ميلي.. معادلة جديدة

في أقصى الجنوب، في بوينس آيرس، يجد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي نفسه أمام معادلة جديدة. فلم يستفد حليف لترامب من دعمه المباشر كما استفاد ميلي، حين قدمت له وزارة الخزانة الأمريكية في أكتوبر 2025 خط مبادلة عملات بقيمة 20 مليار دولار عبر صندوق استقرار الصرف، فيما ربط ترامب الدعم صراحة بنتائج الانتخابات الأرجنتينية، قائلاً: «إذا لم يفز، سنرحل». وواجه هذا الدعم انتقادات ديمقراطية منذ البداية، إذ قدم أعضاء في مجلس الشيوخ مشروع قانون لمنع استخدام الصندوق في دعم الأرجنتين، بقي رمزياً لأن حزبهم كان في موقع الأقلية. وفي فبراير الماضي، طالبت السيناتورة إليزابيث وارن، كبيرة الديمقراطيين في لجنة الشؤون المصرفية، بإنهاء خط المبادلة، مذكّرة بأن الوزارة تعهدت للكونغرس بأنه مخصص لاحتياجات «عاجلة وقصيرة الأجل». ومع انتقال الأغلبية، تتحول هذه الانتقادات إلى أدوات فعلية للرقابة، قد تجعل تجديد الدعم أو توسيعه أكثر كلفة سياسياً، في وقت ألمح فيه ميلي إلى إمكانية الاعتماد على هذا الخط لسداد مستحقات ديون بلاده.

إسبانيا.. انحسار الموجة

وفي أوروبا، يواجه اليمين الإسباني، وفي مقدمته حزب «فوكس»، فاتورة من نوع مختلف: فاتورة الرواية. فرئيس الوزراء بيدرو سانشيز حوّل النتائج الأمريكية إلى ورقة في معركته قبل الانتخابات المبكرة في 29 نوفمبر، قائلاً: «حدث ذلك في البرازيل، وحدث للتو في الولايات المتحدة، وسيحدث قريباً في إسبانيا». وهكذا يدخل اليمين الإسباني الأسابيع الأخيرة قبل الاقتراع في مواجهة سردية «انحسار الموجة» التي استمد منها زخمه.

روسيا.. وضع سلبي

غير أن المفارقة الأكبر تأتي من موسكو، حيث يبدو أن الخاسر خصم لا حليف. فقد استفاد الكرملين من تخفيف إدارة ترامب الضغط على روسيا، فيما يُتوقع أن يدفع الكونغرس الديمقراطي نحو عقوبات أشد ودعم أوسع لأوكرانيا. وكشفت التصريحات الروسية حجم القلق: فقد ذكّر المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن ترامب «لا يزال في منصبه»، معرباً عن الأمل في أن «يواصل جهوده لصنع السلام»، فيما أشار نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف إلى أن قادة الحزب الديمقراطي يتبنون نهجاً «سلبياً بحدة» تجاه روسيا. وكان البرلماني الروسي ليونيد سلوتسكي أكثر صراحة، حين قال إن ترامب بات «في وضع سلبي تماماً».

أبرز المستفيدين

في الجهة المقابلة من المعادلة، يقف من قد يكسبون من ضعف ترامب، فقد رأت صحيفة «كييف إندبندنت» الأوكرانية في النتائج «دفعة محتملة لأوكرانيا»، فيما عبّرت أوساط أوروبية عن «تفاؤل حذر»، وإن قرنته بضرورة أن تواصل أوروبا تعزيز قوتها والاعتماد على نفسها.

معظم هذه الخسائر لم يقع بعد، فالكونغرس الجديد لن يبدأ عمله قبل يناير، وترامب يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والتنفيذية. لكن الانتخابات غيّرت شيئاً جوهرياً يتمثل في كون الرهان لم يعد على ترامب بل على واشنطن كلها. وهذا تحديداً ما يدفع ثمنه مَن استعار قوته، من وادي السيليكون إلى تل أبيب، ومن بوينس آيرس إلى موسكو. فالسلطة في النظام الأمريكي قد تبدو مطلقة أحياناً، لكنها تبقى، بحكم تصميمها، مؤقتة دائماً.