أفراح وأتراح.. كيف قرأ العالم "التسونامي الأزرق"؟

استيقظ العالم صباح اليوم على خريطة سياسية أمريكية جديدة، بعد أن انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الكونغرس. غير أن العواصم لم تقرأ النتيجة بعين واحدة، فكل منها نظر إليها من نافذة الملف الذي يشغله؛ فأوروبا من نافذة أوكرانيا والعلاقات عبر الأطلسي، وموسكو من نافذة حساباتها مع ترامب، وطهران من نافذة الحرب، وإسرائيل من نافذة مفاوضات تشكيل حكومتها، والمكسيك من نافذة جاليتها.

ويميل قادة العالم عادة إلى تجنب التعليق على الانتخابات النصفية الأمريكية، بوصفها شأناً داخلياً، بخلاف الانتخابات الرئاسية التي يسارعون فيها إلى تهنئة الفائز. لكن حجم التحول هذه المرة دفع كثيرين إلى كسر هذا التقليد، خاصة بعد أن أقر ترامب نفسه بأن الحرب مع إيران أثرت على الأرجح في أداء حزبه، قائلاً إن الناخبين ربما لم يكونوا مستعدين لتحمّل العواقب قصيرة المدى لارتفاع أسعار البنزين، فيما حمّل نائبه جي دي فانس الحرب مسؤولية الخسائر الجمهورية الواسعة، بحسب «سي إن إن».

أوروبا.. تفاؤل حذر

في أوروبا، جاءت أوضح المواقف من مدريد، حيث قرأ رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز النتيجة في ضوء معركته الانتخابية الخاصة. فقد رأى فيها دليلاً على تراجع اليمين المتطرف عالمياً، قائلاً: «حدث ذلك في البرازيل، وحدث للتو في الولايات المتحدة، وسيحدث قريباً في إسبانيا»، في إشارة إلى الانتخابات المبكرة التي دعا إليها في 29 نوفمبر الجاري. ووصف رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره النتائج بأنها «إشارة سياسية قوية إلى تغيير المسار لدى الناخبين الأمريكيين»، مضيفاً أن أصواتاً أقرب إلى بلاده بدأت تبرز في السياسة الأمريكية، في ملفات المناخ والبيئة والسياسة الخارجية والمساعدات التنموية.

وفي برلين، هنأ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الديمقراطيين على «فوزهم التاريخي»، مؤكداً أن التزام بلاده بالتعاون مع الإدارة في واشنطن يبقى على حاله، وأنها ستتواصل مع الحزبين معاً.

غير أن التفاؤل الأوروبي جاء مشروطاً. فقد عبّرت نائبة رئيس البرلمان الأوروبي كريستل شالدموزه عن «تفاؤل حذر» لصالح أوروبا، موضحة أنها لا تتوقع تحولاً شاملاً نحو الأفضل، وأن مصدر تفاؤلها ما قد تحمله النتائج من فائدة لدعم أوكرانيا والتحول الأخضر والعلاقات مع بقية العالم. لكنها شددت على أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يواصل مساره نحو تعزيز قوته والاعتماد على نفسه، معتبرة أن ذلك «ليس موضع نقاش». وبالروح ذاتها، قال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور إن باريس ستنتظر لترى ما إذا كان ترامب، الذي يظل ممسكاً بالسياسة الخارجية، سيعدّل نهجه، سواء في معالجة أسعار البنزين أو في تقليص انخراطه الدولي.

وفي عواصم أخرى، غلبت لغة الديبلوماسية، فقد أكد وزير الصحة البريطاني جيمس فريث أن العلاقة مع واشنطن، بوصفها الحليف الأقرب، «ثابتة لا تتغير»، رغم ما وصفه بـ«التحول الزلزالي في السياسة الداخلية الأمريكية». فيما نقلت «سي إن إن» عن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قوله إن النتائج تمنح العالم فرصة للتوحد حول قضية تكاليف المعيشة. وأكد المتحدث باسم الحكومة اليونانية بافلوس ماريناكيس أن العلاقات مع الولايات المتحدة، بوصفها حليفاً استراتيجياً، لن تتأثر بالنتائج.

روسيا.. تتابع الوضع

وفي موسكو، بدت القراءة مختلفة تماماً. فقد ذكّر المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن ترامب «لا يزال في منصبه»، معرباً عن أمل بلاده في أن «يواصل جهوده لصنع السلام». وشدد نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف على ضرورة انتظار النتائج النهائية، مشيراً إلى أن قادة الحزب الديمقراطي يتبنون نهجاً «سلبياً بحدة» تجاه العلاقات مع روسيا، ومؤكداً أن موقف بلاده من أوكرانيا لا يتأثر بـ«تقلبات البارومتر السياسي» في الدول الأخرى. لكن البرلماني الروسي البارز ليونيد سلوتسكي كان أكثر صراحة، إذ قال لشبكة «سي إن إن» إن موسكو «ستتابع الوضع»، مضيفاً أن ترامب بات الآن «في وضع سلبي تماماً». وذهبت صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الرسمية إلى أن غضب ترامب بعد هزيمة الجمهوريين «سيقع على أوروبا».

أوكرانيا.. دفعة محتملة

وفي المقابل، رأت صحيفة «كييف إندبندنت» الأوكرانية في النتائج «دفعة محتملة لأوكرانيا». وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد حذّر عشية الاقتراع من أن روسيا تستعد لهجوم واسع على بلاده، مستغلة انشغال العالم بالانتخابات الأمريكية، فيما حرص في الأسابيع الأخيرة على تجنب تقديم مصير بلاده في إطار حزبي، مؤكداً أن الدعم الأمريكي من الحزبين بات أقوى مما كان عليه خلال العام ونصف العام الماضيين.

آسيا.. شأن داخلي

وفي آسيا، حافظت العواصم الكبرى على لغة دبلوماسية متحفظة. فقد وصفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ الانتخابات بأنها «شأن داخلي»، مؤكدة استعداد بكين لبناء «علاقة استراتيجية بنّاءة» مع واشنطن، فيما أكد كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني مينورو كيهارا أن التحالف مع الولايات المتحدة يبقى «حجر الزاوية» في السياسة الخارجية والأمنية لبلاده، أياً كانت النتيجة.

المكسيك.. سعادة

وعلى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، قرأت المكسيك النتيجة من زاوية جاليتها. فقد أبدت الرئيسة كلاوديا شينباوم سعادتها بفوز شخصيتين من أصول مكسيكية بمنصب الحاكم في ولايتين كبريين: كزافييه بيسيرا في كاليفورنيا، أول حاكم من أصول لاتينية في تاريخها، وجينا هينوخوسا في تكساس، أول امرأة من أصول لاتينية تتولى المنصب في تاريخ الولاية. وقالت إن للفائزين ارتباطاً واضحاً بولايتيهما، «لكن أيضاً صلة بالمكسيكيين والمكسيكيات».

إيران.. لا للحرب

في إيران فقد ربط رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف النتائج مباشرة بالحرب، معتبراً، في منشور على منصة «إكس»، أن الأمريكيين قالوا «لا للحرب»، وأن بلاده «تؤيد هذه الرسالة»، محذراً من «كابوس» إذا خالفت الحكومة الأمريكية إرادة ناخبيها. وفي السياق ذاته، عنونت صحيفة «طهران تايمز»: «حرب إيران تعود إلى الداخل لتضرب ترامب في صناديق الاقتراع».

إسرائيل.. لا يبشر بالخير

وفي إسرائيل، جاءت النتائج في لحظة سياسية حساسة، بعد أن فقد ائتلاف بنيامين نتنياهو أغلبيته في انتخابات الأسبوع الماضي، ولم يصدر عنه تعليق فوري. فرأى زعيم حزب «الديمقراطيين» المعارض يائير غولان أن النتائج تكشف «مدى سمّية نتنياهو» لدى الديمقراطيين والجمهوريين معاً، فيما قال زعيم المعارضة يائير لابيد إنها تلغي «أي إمكانية لحكومة وحدة بقيادة نتنياهو»، في تصريح يتصل مباشرة بمفاوضات تشكيل الحكومة الجارية. ورأت «وكالة التلغراف اليهودية» في تحليل لها أن «ترامب الضعيف لا يبشر بالخير لنتنياهو»، الذي ظل يعدّ الرئيس الأمريكي مظلة سياسية في الداخل والخارج. 

جنوب إفريقيا.. عهد جديد

إفريقياً، قرأ رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، الذي شهدت علاقات بلاده مع إدارة ترامب توتراً حاداً، النتيجة بوصفها بداية «عهد جديد في العلاقات الدولية»، قائلاً إن «الشعب الأمريكي قال كلمته».

بين هذه الرهانات يبقى ترامب في البيت الأبيض، لتبدأ مرحلة اختبار ما تستطيع الأغلبية الديمقراطية تغييره، وما يستطيع الرئيس مواصلته رغماً عنها.