مفارقات تاريخية في الانتخابات الأمريكية

من كانساس التي أنهت 94 عاماً من الإخفاق الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ، إلى تكساس التي قلبت موازينها السياسية بعد أكثر من ثلاثة عقود، كشفت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية عن تحولات غير مسبوقة في ولايات كانت تعد حصوناً للجمهوريين.

شهدت الولايات المتحدة، في انتخابات التجديد النصفي سلسلة من النتائج التي تجاوزت التوقعات، بعدما نجح الديمقراطيون في اختراق الخريطة الانتخابية التقليدية للحزب الجمهوري، وانتزاع مقاعد في ولايات ظلت بعيدة عن متناولهم لعقود طويلة.

كانساس.. نهاية احتكار استمر 94 عاماً

تمثلت إحدى أبرز المفاجآت في ولاية كانساس، حيث تمكن الديمقراطي آدم هاملتون، وهو قس، من هزيمة السيناتور الجمهوري روجر مارشال، منهياً سلسلة من الإخفاقات الديمقراطية في انتخابات مجلس الشيوخ بدأت عام 1932.

وكان آخر ديمقراطي فاز بمقعد في مجلس الشيوخ عن الولاية هو جورج ماكغيل، قبل 94 عاماً، عندما كانت الولايات المتحدة تواجه تداعيات الكساد الكبير. ومنذ ذلك التاريخ، عجز الديمقراطيون عن تحقيق فوز جديد في انتخابات مجلس الشيوخ بالولاية، رغم نجاحهم في الوصول إلى منصب الحاكم في فترات مختلفة.

وتكتسب النتيجة دلالة تاريخية إضافية بالنظر إلى الجذور الجمهورية العميقة لكانساس، التي ارتبطت منذ تأسيسها في القرن التاسع عشر بالحزب الجمهوري، وبقيت من الولايات المحافظة ذات القاعدة الانتخابية الريفية الواسعة.

تكساس.. انهيار هيمنة عمرها 32 عاماً

أما المفاجأة الأوسع نطاقاً فجاءت من تكساس، إحدى أهم القلاع الجمهورية في الولايات المتحدة، حيث حقق الديمقراطيون سلسلة انتصارات في مناصب الولاية الرئيسية. فقد فاز جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ على حساب الجمهوري كين باكستون، ليصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لعضوية المجلس منذ عام 1988، أي بعد انقطاع استمر 38 عاماً.

وامتدت النتائج إلى منصب الحاكم، بعدما تمكنت الديمقراطية جينا هينوخوسا من هزيمة الحاكم الجمهوري غريغ أبوت، لتصبح أول امرأة من أصول لاتينية تتولى حكم الولاية.

وتتجاوز أهمية هذه النتائج السباقين، إذ إن تكساس لم تكن قد انتخبت ديمقراطياً لأي منصب على مستوى الولاية منذ عام 1994. وبذلك أنهى الديمقراطيون فترة امتدت 32 عاماً من سيطرة الجمهوريين على المناصب المنتخبة على مستوى الولاية، محققين مكاسب إضافية في منصب نائب الحاكم والمدعي العام، إلى جانب عدد من الدوائر التشريعية.

خسارة في معقل محافظ

وفي كارولاينا الجنوبية، حققت الديمقراطية آني أندروز فوزاً على السيناتورة الجمهورية دارلين غراهام، لتصبح أول ديمقراطية تفوز بمقعد لمجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 1998.

وجاءت النتيجة في ولاية منح فيها الناخبون ترامب فوزاً بفارق يقارب 18 نقطة مئوية في انتخابات 2024، وهو ما جعل خسارة المرشحة الجمهورية إحدى أبرز مفاجآت الاقتراع.

وتشير «أسوشيتد برس» إلى أن فوز أندروز، وهي طبيبة أطفال، يعكس اتساع نطاق التحول الانتخابي إلى ولايات لم تكن تُعد ساحات تنافسية رئيسية قبل الانتخابات.

آيوا وأوهايو

امتدت الخسائر الجمهورية إلى ولايتَي آيوا وأوهايو، اللتين شهدتا تحولات متزايدة نحو الجمهوريين خلال العقد الماضي، بعدما كانتا من الولايات المتأرجحة التي تحظى باهتمام كبير في الانتخابات الرئاسية.

ففي آيوا، حقق الديمقراطيون فوزاً مزدوجاً، إذ انتُخب جوش توريك لعضوية مجلس الشيوخ على حساب الجمهورية آشلي هينسون، بينما فاز روب ساند بمنصب الحاكم، منهياً السيطرة الجمهورية على المنصب.

وربطت شبكة «سي إن إن» نتيجة آيوا بتزايد الضغوط الاقتصادية على المناطق الزراعية، خصوصاً ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة، إلى جانب تداعيات النزاعات التجارية والرسوم الجمركية. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن المناطق الزراعية والريفية كانت من أبرز مصادر القوة الانتخابية لترامب خلال السنوات الماضية.

وفي أوهايو، حقق الديمقراطي شيرود براون عودة سياسية لافتة، بعدما خسر مقعده في مجلس الشيوخ عام 2024 أمام الجمهوري بيرني مورينو، قبل أن يفوز بعد عامين على السيناتور الجمهوري جون هستد. كما فازت الديمقراطية إيمي أكتون بمنصب الحاكم على حساب الجمهوري فيفيك راماسوامي.

وتعكس النتائج في الولايتين قدرة الديمقراطيين على تحقيق مكاسب في مناطق صناعية وزراعية تراجعت فيها قوتهم الانتخابية خلال السنوات الأخيرة، وإن كانت استدامة هذه التحولات ستظل مرتبطة بالظروف السياسية والاقتصادية في الانتخابات المقبلة.

مفارقة ترامب

تتجاوز المفارقات حدود الولايات إلى المشهد السياسي الوطني. فقبل عامين فقط، عاد ترامب إلى البيت الأبيض بعد انتخابات شهدت تحسناً ملحوظاً في أداء الجمهوريين بين شرائح من الناخبين الشباب واللاتينيين والطبقة العاملة. وقد قرأ الجمهوريون تلك النتائج باعتبارها مؤشراً إلى إمكانية بناء تحالف انتخابي أوسع من قاعدتهم التقليدية.

لكن انتخابات 2026 كشفت هشاشة بعض هذه المكاسب، مع تحول قطاعات من الناخبين نحو الديمقراطيين، في ظل تصاعد القلق الاقتصادي وتراجع التأييد للحرب على إيران.

وبحسب استطلاع وطني للناخبين أوردته «أكسيوس» عن «أسوشيتد برس»، حصل المرشحون الديمقراطيون لمجلس النواب على تأييد نحو 70% من الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً، ونحو 60% من الناخبين اللاتينيين.

سوابق تاريخية 

وإلى جانب التغير في الخريطة الحزبية، شهدت الانتخابات سلسلة من النتائج التاريخية المرتبطة بالتمثيل السياسي للنساء والأقليات، وصفتها «أسوشيتد برس» بأنها موجة من السوابق في المناصب المنتخبة.

ففي جورجيا، أصبحت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة لولاية أمريكية، بعدما تمكنت من انتزاع المنصب من الجمهوريين. وفي نيومكسيكو، حققت ديب هالاند إنجازاً تاريخياً بانتخابها أول امرأة من السكان الأصليين تتولى منصب حاكم ولاية.

وفي ميشيغان، فاز الديمقراطي عبد السيد بعضوية مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم أمريكي ينتخب لهذا المنصب، بينما أصبحت بيغي فلاناغان في مينيسوتا أول امرأة من السكان الأصليين تُنتخب لعضوية المجلس.

ولم تقتصر هذه السوابق على الديمقراطيين؛ ففي فلوريدا، حقق الجمهوري بايرون دونالدز فوزاً بمنصب الحاكم، ليصبح أول حاكم أسود في تاريخ الولاية، رغم الخسائر التي تعرض لها حزبه على المستوى الوطني.

حجم الخسائر الجمهورية

وصفت «أكسيوس» حجم الخسائر الجمهورية بأنه من أوسع الهزائم الانتخابية التي تعرض لها حزب رئيس في منصبه خلال التاريخ الأمريكي الحديث، مستحضرة المقارنة بانتخابات عام 1974، التي جرت عقب فضيحة ووترغيت واستقالة الرئيس ريتشارد نيكسون.