الموجة الزرقاء على الأبواب.. الحزب الديمقراطي يدخل الأيام الأخيرة «متفائلاً حدّ الغثيان»

قبل أيام من انتخابات الثالث من نوفمبر، يعيش الحزب الديمقراطي الأمريكي حالة نفسية فريدة، فالأرقام تبشّره بانتصار قد يكون تاريخياً، لكن ذاكرته الانتخابية المثقلة بالخيبات تمنعه من الاحتفال المبكر. وقد لخّص النائب الديمقراطي جيمي راسكين هذا المزاج بعبارة سمعها من سيدة في تجمع انتخابي بولاية نيوجيرسي، قالت إنها «متفائلة حدّ الغثيان». ورأى راسكين أن العبارة قد تختصر توتر اللحظات الأخيرة لدى كثيرين في الحزب.

وللتفاؤل ما يسنده، فبحسب استطلاع أجرته شبكة «بي بي إس نيوز» وإذاعة «إن بي آر» ومعهد «ماريست»، يتقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بين الناخبين المسجلين بنسبة 53% مقابل 41% في نوايا التصويت للكونغرس، ويتسع الفارق بين المستقلين إلى 57% مقابل 32%. وفي المقابل، تراجعت شعبية الرئيس دونالد ترامب إلى مستويات قياسية، إذ سجلت 31% في استطلاع «رويترز/إبسوس»، وهي الأدنى في مسيرته السياسية، فيما رأى 55% من الناخبين المسجلين، في استطلاع لشبكة «إن بي سي نيوز»، أن سياساته ألحقت ضرراً بالاقتصاد، مقابل 26% رأوا أنها حسّنته. وحتى منتصف أكتوبر، كانت أسواق التنبؤ تسعّر احتمال فوز الديمقراطيين بمجلس النواب عند 90%، وبمجلس الشيوخ عند 63%.

والحسابات البرلمانية تبدو في صالحهم، ففي مجلس النواب، يكفي الديمقراطيين انتزاع 3 مقاعد فقط للسيطرة عليه، بعد أن تقلصت الأغلبية الجمهورية إلى 218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، إلى جانب نائب مستقل ومقعدين شاغرين. أما في مجلس الشيوخ، فالمهمة أصعب، إذ يحتاج الديمقراطيون إلى 4 مقاعد إضافية لكسر الأغلبية الجمهورية القائمة (53 مقابل 47).

ويقف وراء هذا المزاج مزيج من العوامل التي تثقل كاهل الحزب الحاكم. فغلاء المعيشة يتصدر هموم الناخبين، وقد زادته حرب إيران حدة، إذ ارتفعت أسعار البنزين بنحو 50% والديزل بالثلثين منذ اندلاعها في فبراير. ويضاف إلى ذلك التاريخ نفسه، فحزب الرئيس يخسر عادة في منتصف الولاية، وقد خسر ترامب مجلس النواب في انتخابات 2018 النصفية خلال ولايته الأولى.

تفاؤل حذر

يترجم الديمقراطيون تفاؤلهم إلى خطوات عملية، فهم يستهدفون عشرات المقاعد الجمهورية، بعضها في دوائر فاز فيها ترامب عام 2024 بفارق 10 و15 بل 20 نقطة. وبدأت لجنة «هاوس ماجوريتي باك» الديمقراطية بث إعلاناتها في دائرة النائبة الجمهورية المتقاعدة إليز ستيفانيك، التي فاز فيها ترامب بفارق 21 نقطة، بل إن اللجنة سحبت أموالاً من ثلاث دوائر لأنها تعتقد أن الحزب في طريقه إلى الفوز بها بسهولة. ويقول النائب رو خانا إنه «متفائل بحذر» بأن يكسب الحزب ما بين 20 و25 مقعداً، فيما يتحدث سيناريو الاكتساح عن مكاسب تقترب من 40 أو 50 مقعداً، وهو ما سيشكل ليلة تاريخية للحزب.

غير أن هذا التفاؤل محاط بأسباب كثيرة للحذر. أولها ذاكرة الاستطلاعات. فقد قال النائب ديف مين إن الديمقراطيين «احترقوا» من قبل بنتائج استطلاعات جيدة، في إشارة إلى تجارب سابقة أبرزها انتخابات 2016، حين رجّحت معظم الاستطلاعات فوز هيلاري كلينتون، ففاز ترامب. ووصف نائب اطلع على أجواء قيادة الحزب المزاج بأنه «تفاؤل حذر»، مضيفاً أن أحداً لا يعرف أين سينتهي الأمر.

وثانيها إعادة رسم الدوائر الانتخابية. فقد أجرت ولايات جنوبية يسيطر عليها الجمهوريون تعديلات في منتصف العقد، يُتوقع أن تقتطع جزءاً من مكاسب الديمقراطيين، إذ يرجّح أن ينتزع الجمهوريون بسهولة مقاعد أعيد رسمها في تينيسي ولويزيانا، بعد أن فضّل نوابها الديمقراطيون التقاعد على خوض معارك شاقة.

وثالثها المال. فقد بلغ الإنفاق على الإعلانات في هذه الدورة مستوى قياسياً يُتوقع أن يصل إلى 11.6 مليار دولار، متجاوزاً كل الانتخابات النصفية السابقة، بل والانتخابات الرئاسية لعام 2024. ويبدي ديمقراطيون قلقاً من موجة إنفاق أخيرة يضخها كبار المتبرعين الجمهوريين في الدوائر المتأرجحة، وقد أشار راسكين تحديداً إلى تبرعات إيلون ماسك للجمهوريين، قائلاً إنها تسربت إلى كثير من السباقات المتقاربة.

ورابعها خصوصيات بعض السباقات، حيث يتفوق مرشحون جمهوريون على الرياح الوطنية المعاكسة بفضل حضورهم المحلي، أو يتعثر مرشحون ديمقراطيون بسبب ضعف الاختيار أو قلة الاستثمار، كما يعترف نواب من الحزب في نيويورك وميشيغن وتكساس.

تلاعب بالانتخابات

ويضاف إلى ذلك كله مناخ متوتر حول العملية الانتخابية نفسها، فقد أبدى نواب ديمقراطيون قلقهم مما يصفونه بمحاولات للتلاعب بالانتخابات، وقال أحدهم إن الحزب يستعد لـ«كل أشكال الدراما» قبل الاقتراع وخلاله وبعده. وفي المقابل، اتهم البيت الأبيض الديمقراطيين بمحاولة التغطية على ما وصفه بخطة سرية لإرباك سباق مجلس الشيوخ في ألاسكا، فيما رفعت وزارة العدل دعوى لتأجيل التصديق على نتيجة السباق هناك إذا خسر السيناتور الجمهوري بفارق ضئيل.

وتكمن أهمية النتيجة فيما يترتب عليها. فإن فاز الديمقراطيون بمجلس النواب، فسيملكون صلاحية التحقيق واستدعاء المسؤولين، والتحكم في مفاتيح الموازنة والإنفاق، ما يقيّد جدول أعمال ترامب في عاميه الأخيرين. وإن انتزعوا مجلس الشيوخ أيضاً، فستمتد قبضتهم إلى التعيينات القضائية والوزارية، وسيتعزز صوت الكونغرس في ملفات السياسة الخارجية، وفي مقدمتها حرب إيران. أما إذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين، فسيحافظ الحزب على سيطرته الكاملة في واشنطن، ويخرج ترامب من الانتخابات بتفويض جديد رغم تراجع شعبيته.

وبين أرقام تبشّر بموجة زرقاء، وذاكرة تحذّر من الإفراط في الثقة، يدخل الديمقراطيون الأيام الأخيرة بشعار لخّصته النائبة هيلاري شولتن: «هناك طريقتان فقط للترشح: خائفاً، أو بلا منافس». وفي الثالث من نوفمبر، سيعرف الحزب ما إذا كان خوفه في محله، أم أن الموجة التي ينتظرها منذ عامين قد وصلت فعلاً إلى الشاطئ.