معركة "شيزكيك فاكتوري".. كيف تُختزل الحرب الانتخابية الأمريكية في رموز صغيرة؟

قبل أقل من أسبوع على انتخابات تجديد نصفي توصف بأنها قد تكون تاريخية، وفي بلد يخوض حرباً ويعيش تحولات تقنية كبرى، يدور جانب واسع من النقاش السياسي الأمريكي حول مطعم. فمنذ نهاية الأسبوع الماضي، صارت سلسلة مطاعم «شيزكيك فاكتوري» طرفاً، على غير إرادتها، في معركة كلامية بين رئيسين، الحالي والأسبق، تحولت سريعاً إلى سجال حول الطبقة والنخبة وصورة «الأمريكي العادي».

بدأت القصة يوم السبت الماضي، على منصة تجمع انتخابي في ولاية أوهايو، حيث كان الرئيس الأسبق باراك أوباما يدعم مرشحَين ديمقراطيَّين لمجلس الشيوخ ومنصب الحاكم. وأراد أوباما أن ينتقد انشغال الرئيس دونالد ترامب بتجديد البيت الأبيض، من بناء قاعة احتفالات ضخمة إلى إضافة زخارف ذهبية كثيفة إلى المكتب البيضاوي. فقال ساخراً إن ترامب يبدو مهتماً جداً بتجديد المنازل، حتى إنه يصلح لتقديم برامج الديكور التلفزيونية، ثم تساءل عن كل هذا الذهب، قبل أن يطلق العبارة التي اشتعلت: إن ترامب جعل البيت الأبيض يبدو «فرعاً لشيزكيك فاكتوري».

ولم يكن اختيار المطعم عشوائياً. فـ«شيزكيك فاكتوري» معروفة بديكوراتها المزخرفة بالذهب، وأعمدتها المزينة، وقوائم طعامها التي تكاد تكون كتباً. وهي في المخيلة الأمريكية رمز لـ«الفخامة الشعبية»: مكان يقصده أبناء الطبقة الوسطى للاحتفال بمناسبة خاصة، دون أن يدفعوا ثمن مطعم راقٍ. وكانت رسالة أوباما الأعمق سياسية بامتياز: الرئيس منشغل بتذهيب قصره، بينما يعاني الأمريكيون من غلاء المعيشة، وهي القضية الأولى في هذه الانتخابات.

هجمة مرتدة

في غضون ساعات، التقط المحافظون العبارة وقلبوها على صاحبها. لم يعد الحديث عن ذوق ترامب ولا عن كلفة تجديداته، صار عن رئيس أسبق يسخر من مطعم يحبه ملايين الأمريكيين. ووقف وزير الخزانة سكوت بيسنت أمام فرع للسلسلة في واشنطن، ليعلن أنه تناول وجبة رائعة، وينصح «جماعة مارثاز فينيارد»، في إشارة إلى الجزيرة التي يصطاف فيها الأثرياء من أنصار الحزب الديمقراطي، بتجربة المطعم، قبل أن يرد على أوباما بالسخرية من مكتبته الرئاسية، قائلاً إنها تشبه قبر «دارث فيدر»، الشرير الشهير في سلسلة «حرب النجوم». وكتبت الناشطة المحافظة لورا لومر أن المطعم يقدم طعاماً جيداً يستطيع الأمريكيون تحمل كلفته، فيما كتب المعلق المحافظ سكوت جينينغز أن أوباما لم يدخل «شيزكيك فاكتوري» في حياته، لكنه لا يُهزم في التعالي على الناس العاديين. ثم دخل البيت الأبيض نفسه على الخط، فنشر مقطعاً موسيقياً هادئاً يرافقه رسم كرتوني لترامب واقفاً أمام أحد فروع المطعم.

واللافت أن ترامب نفسه اختار زاوية مختلفة عن زاوية أنصاره، فلم ينشغل كثيراً بقضية الطبقات، ودافع عن تجديداته. ففي تجمع انتخابي بولاية مسيسيبي، قال إن «شيزكيك فاكتوري» شركة ناجحة، وإن أوباما «لا يحب الشركات الناجحة»، مضيفاً أن البيت الأبيض يجب أن يكون نظيفاً وجميلاً وخالياً من التشققات. وقال للصحفيين إن على أحدهم أن يشرح لأوباما أن البيت الأبيض رمز لأمريكا، وإن تشبيهه بالمطعم يكشف لماذا كان رئيساً سيئاً.

تفاهة سياسية

وفي المقابل، رأى المدافعون عن أوباما أن التشبيه دقيق ومعبّر، فيما وصف المحلل السياسي نيت سيلفر موجة الغضب بأنها «استعراضية» وتفتقر إلى روح الدعابة. وحتى المطعم وجد من يتحدث باسمه، إذ أبدى ريك ماكورماك، نائب الرئيس السابق للتصميم في الشركة لسنوات طويلة، أسفه لـ«تفاهة السياسة»، وقال لشبكة «سي إن إن» إنه أصيب بخيبة أمل لرؤية الشركة عالقة في هذا النزاع.

لكن ما جرى لم يكن مفاجئاً لمن يعرف تاريخ السياسة الأمريكية، ولتاريخ أوباما نفسه تحديداً. ففي عام 2009، تعرض الرئيس الأمريكي آنذاك لهجوم محافظ لأنه طلب برغراً بالجبن مع خردل «ديجون» الحار بدلاً من الكاتشب، في مطعم بولاية فرجينيا. وأطلق عليه معلقون محافظون لقب «الرئيس بوبون»، نسبة إلى علامة شهيرة للخردل الفاخر، بوصف اختياره دليلاً على انفصاله عن الأمريكي العادي. وفي عام 2014، ارتدى بدلة بلون بيج بدلاً من الداكن المعتاد خلال مؤتمر صحفي عن السياسة الخارجية، فتحولت البدلة إلى قضية سياسية لا تزال تُستعاد حتى اليوم، وصار لها صفحة مستقلة في موسوعة «ويكيبيديا».

ولم يكن الديمقراطيون وحدهم ضحايا هذه الرموز. فقد طاردت تهمة الانفصال عن الناس العاديين مرشحين جمهوريين أثرياء أيضاً، كما حدث مع ميت رومني في انتخابات 2012، حين تحول مصعد للسيارات خطط لتركيبه في منزله بكاليفورنيا إلى مادة للتندر على ثرائه. فالسلاح نفسه يستخدمه الطرفان، وإن بدا المحافظون أكثر براعة في توظيفه خلال العقدين الأخيرين.

صورة الأمريكي العادي

ويفسر جون ميرفي، الأستاذ الفخري في جامعة إلينوي والمتخصص في الخطاب السياسي، سرعة اشتعال القضية بعاملين؛ قائل العبارة وموضوعها. فأوباما، بحسب ميرفي، قادر على استفزاز ترامب كما لا يستطيع أحد غيره في العالم، والسخرية طالت ذوق ترامب الشخصي، وهو ما يمس مباشرة صورته. ولهذا شعر ميرفي منذ اللحظة الأولى أن العبارة «ستذهب بعيداً». ويرى أن تصوير الديمقراطيين بوصفهم نخبة متعالية جزء من كتاب قواعد قديم في الصراع بين الحزبين، واستراتيجية واعية في الإعلام المحافظ لإشعال حروب الثقافة.

وتكشف القصة لماذا تنتصر الرموز الصغيرة على البرامج الكبرى في السياسة الأمريكية. فالرمز يخاطب الهوية قبل العقل، ويسأل الناخب سؤالاً بسيطاً مفاده؛ من يشبهك ومن يحتقرك؟ ومنصات التواصل تكافئ الصورة الساخرة السريعة على التحليل الهادئ الطويل. وفي معركة كهذه، يتنافس كل معسكر على احتكار صورة «الأمريكي العادي»، ويحاول إقناعه بأن الطرف الآخر ينظر إليه من علٍ. وهكذا، أراد أوباما أن يقول إن ترامب يذهّب قصره والناس يعانون، فسمع كثيرون: «أوباما يسخر من مطاعمكم».

وفي القصة مفارقة أخيرة تليق بها. فبينما كانت «شيزكيك فاكتوري» تتعرض لهذا السيل من العناوين غير المريحة، كانت نجمة في وول ستريت، إذ تضاعف سعر سهمها أكثر من مرتين منذ مطلع العام الجاري. وكأن الأمريكيين، الذين يتجادل الساسة باسمهم، كانوا منشغلين بشيء آخر: الجلوس إلى موائدها.

وفي الثالث من نوفمبر، لن يحسم الكعك الانتخابات على الأرجح، فالأسعار وحرب إيران وشعبية الرئيس هي التي ستحسمها. لكن معركة «شيزكيك فاكتوري» تقول شيئاً عن الديمقراطية الأمريكية في زمنها الراهن؛ هو أن الطريق إلى قلب الناخب، أو إلى استعدائه، قد يمر أحياناً عبر قائمة طعام لا عبر برنامج انتخابي.