في الوقت الذي ارتبطت فيه الطائرات المسيّرة اليوم بالاستطلاع والهجمات وإطلاق الذخائر، كان للجيش الأمريكي استخدام أكثر غرابة لها قبل نحو ستة عقود، طائرة مسيّرة مهمتها أن تدخل عمدًا في مرمى صاروخ معادٍ، حتى لو انتهت المهمة بتدميرها.
ظهرت الفكرة خلال حرب فيتنام، عندما كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تحاول فك أسرار منظومة الصواريخ السوفييتية SA-2 Guideline، المعروفة باسم «S-75»، والتي شكلت أحد أبرز التهديدات للطائرات الأمريكية في سماء شمال فيتنام.
كانت المشكلة أن بعض أهم الإشارات الإلكترونية التي يستخدمها الصاروخ في مراحل التوجيه والتفجير يصعب التقاطها من مسافة آمنة. لذلك احتاجت الولايات المتحدة إلى وسيلة تقترب من الصاروخ نفسه، وتلتقط إشاراته في اللحظات التي تسبق إصابة الهدف.
طائرة تدخل «منطقة الموت»
جاء الحل في طائرة Ryan Model 147D/E، وهي نسخة معدلة من طائرات Firebee المسيّرة، خُصصت لجمع المعلومات الإلكترونية عن أنظمة الصواريخ والرادارات.
حملت الطائرة معدات متخصصة لالتقاط الإشارات، إلى جانب أجهزة تساعدها على محاكاة أهداف أمريكية ذات قيمة، بحيث تبدو للعدو هدفًا يستحق الاشتباك.
وكانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، تدخل الطائرة نطاق الصاروخ، وتلتقط أكبر قدر ممكن من الإشارات خلال مراحل اكتشاف الهدف وتتبعُه وتوجيه الصاروخ نحوه، ثم تنقل البيانات إلى طائرة أخرى تحلق خارج مدى الصاروخ، وفقاً لموقع "slashgear.
المهمة التي انتهت بإسقاطها
في إطار عملية «United Effort»، حاولت الولايات المتحدة جمع معلومات عن رادارات منظومة SA-2، لكنها كانت لا تزال تفتقد بعض الإشارات المهمة المرتبطة بالمراحل الأخيرة من عملية الاشتباك.
وفي 13 فبراير 1966، دخلت إحدى طائرات Model 147E إلى مجال صاروخ SA-2 فوق شمال فيتنام، بعدما جرى تقديمها على أنها طائرة استطلاع من طراز U-2.
التقطت منظومة الدفاع الجوي الهدف وتعاملت معه، وفي النهاية أُسقطت الطائرة المسيّرة. لكن إسقاطها لم يكن فشلًا؛ فقد تمكنت قبل تدميرها من نقل البيانات الإلكترونية التي كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تبحث عنها إلى طائرة ERB-47H تحلق خارج نطاق الصاروخ.
من طائرة مفقودة إلى نظام إنذار
كانت المعلومات التي جمعتها الطائرة ذات قيمة كبيرة، وساعدت في تطوير أنظمة دفاعية للطائرات الأمريكية، من بينها AN/APR-26، وهو نظام إنذار صُمم لرصد إشارات مرتبطة بإطلاق صواريخ SA-2 وتحذير الطيارين من الخطر.
وبذلك تحولت خسارة طائرة مسيّرة واحدة إلى معلومات استخباراتية يمكن استخدامها لحماية عدد أكبر من الطائرات في مهام لاحقة.
ولم تتوقف أهمية هذه المعلومات عند حرب فيتنام؛ فقد ساهمت البيانات التي جُمعت من منظومات SA-2 في تطوير فهم أوسع لأنظمة الدفاع الجوي، واستفادت منها عمليات الحرب الإلكترونية ومهام Wild Weasel اللاحقة لمواجهة الدفاعات الصاروخية.
عندما يصبح إسقاط الطائرة هو النجاح
ما يجعل قصة Model 147D/E لافتة هو أنها قلبت الفكرة التقليدية للطائرة المسيّرة رأسًا على عقب. لم يكن الهدف أن تعود الطائرة إلى قاعدتها، ولم تكن قيمتها مرتبطة بقدرتها على البقاء في الجو، بل بما تستطيع جمعه قبل أن تُسقط.
وكانت المعادلة واضحة، طائرة يمكن التضحية بها مقابل كشف البصمة الإلكترونية لسلاح أكثر خطورة، ثم استخدام تلك المعلومات لتطوير وسائل تحذير وتشويش ودفاع أفضل.
وبعد عقود، تبدو الفكرة القديمة أكثر ارتباطًا بالحرب الحديثة مع تصاعد أهمية الحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة؛ إذ يمكن أن يصبح إرسال منصة غير مأهولة إلى منطقة شديدة الخطورة وسيلة لجمع معلومات لا يمكن الحصول عليها بسهولة من مسافة آمنة. لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي منذ فيتنام: أحيانًا تكون قيمة الطائرة فيما تكشفه قبل أن تسقط، لا في قدرتها على العودة.

