بين الصفقة والمراسم.. قمة شي وترامب بمقياسين للنجاح

يغادر الرئيس الصيني شي جينبينغ واشنطن بعد زيارة دولة استمرت 3 أيام، هي الأولى له إلى العاصمة الأمريكية منذ أكثر من عقد، تاركاً وراءه مشهداً واحداً قرأته عاصمتان بلغتين مختلفتين تماماً. في الصحف الأمريكية بدت القمة احتفاءً كبيراً بنتائج متواضعة، وفي الإعلام الصيني بدت اعترافاً أمريكياً بثقل الصين وتثبيتاً لقاعدة تقول إن المنافسة بين القوتين تُدار وتُضبط، ويُمنع انزلاقها إلى المواجهة. وبين القراءتين يبرز سؤال أعمق للزيارة حول تعريف النجاح الاستراتيجي نفسه.

أوضح تعبير عن القراءة الأمريكية جاء في «وول ستريت جورنال» التي نشرت تحليلاً بعنوان «خمس خلاصات من قمة ترامب في واشنطن مع شي»، افتتحته بوصف القمة بأنها «ثقيلة بالمراسم وخفيفة بالنتائج»، مشيرة إلى بقاء خلافات كبيرة في التجارة والتكنولوجيا وعلاقة بكين بإيران. ورأت الصحيفة أن أبرز نتيجة اقتصادية ملموسة كانت تمديد الهدنة التجارية القائمة شهرين، إلى جانب نقاش حول مخاطر الذكاء الاصطناعي لم يرقَ إلى اختراق. وفي تقرير آخر اختارت الصحيفة عنواناً يختصر الموقف كله: «ترامب يستقبل شي في البيت الأبيض بمظاهر احتفالية، لكن بمكاسب ضئيلة»، مقابِلةً بين السجادة الحمراء وعروض الطائرات العسكرية والعشاء الرسمي من جهة، ومحدودية ما أُعلن في الملفات الثقيلة من جهة أخرى.

علاقة شخصية

أما «واشنطن بوست» فقدّمت قراءة أكثر تركيباً، إذ وصفت اليوم بأنه يوم «مراسم وأولويات متنافسة»: واشنطن تبحث عن استثمارات صناعية صينية وعن مساعدة بكين في كبح إيران، وشي يحمل في مقدمة أولوياته ملف تايوان واستقرار العلاقة الثنائية. ولاحظت الصحيفة أن ترامب ركّز كثيراً على علاقته الشخصية بنظيره، فيما بدا الرئيس الصيني منشغلاً بالملفات السياسية المحددة وإدارة المنافسة ومنع الأزمات. وقد جاءت تدوينة ترامب صباح اليوم على «تروث سوشيال» شاهداً إضافياً على هذه الملاحظة؛ فقد وصف اللقاء بأنه «مثمر جداً» للبلدين، ووعد بأن «أموراً هائلة ستحدث»، وخصص معظم التدوينة لرواية أن شي بدا موافقاً على تسمية الذكاء الاصطناعي «الذكاء الفائق». 

معادن نادرة

غير أن الزاوية الأمريكية الأثقل وزناً ظهرت في تقرير آخر لـ«واشنطن بوست» عن المعادن النادرة. فالسيطرة الصينية الواسعة على معالجة هذه المعادن منحت بكين، بحسب الصحيفة، ورقة قوية في المفاوضات، وربط محللون تحدثت إليهم بين هذا الاعتماد الأمريكي والنهج الأقل صدامية الذي اتبعته إدارة ترامب تجاه الصين مؤخراً. واستندت الصحيفة إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية التي تُظهر أن الصين تستحوذ على أكثر من 90% من طاقة تكرير المعادن النادرة في العالم. وتتسق هذه القراءة مع ما سبق أن رصدته «رويترز» عشية القمة، حين وصفت الصين بأنها تدخل المفاوضات مستفيدة من قوة تجارتها الخارجية، وأن الهدف المشترك للطرفين أقرب إلى منع تدهور العلاقة والحفاظ على الهدنة منه إلى صفقة شاملة جديدة. والخلاصة التي تتكرر تحت السطح البروتوكولي أن شي وصل إلى واشنطن حاملاً أوراقاً اقتصادية واستراتيجية تجعل الجانب الأمريكي نفسه حريصاً على الاستقرار، ولم يأتِ طالباً تنازلاً سريعاً.

اعتراف ومكانة

وفي الضفة الأخرى تتبدل اللغة جذرياً. فقد ركزت وكالة «شينخوا» والإعلام الرسمي على تفاصيل الاستقبال بكثافة لافتة: ترامب يستقبل ضيفه شخصياً في قاعدة أندروز، والسجادة الحمراء، وحرس الشرف، وعزف النشيدين، و21 طلقة مدفعية، وتحليق الطائرات العسكرية. أما العبارة المركزية في خطاب شي فكانت الدعوة إلى علاقة تقوم على التعاون والمنافسة المعتدلة وإدارة الخلافات والسلام. وهذه التفاصيل في التغطية الصينية تتجاوز التوثيق البروتوكولي لتصبح جزءاً من الرسالة السياسية ذاتها، وهو ما التقطته «أسوشيتد برس» في تقرير من بكين نشرته «واشنطن بوست»، أشارت فيه إلى أن الاستقبال الأمريكي الفخم ترك انطباعاً كبيراً لدى الجمهور الصيني، وأن التغطية الرسمية قدّمته دليلاً على ارتفاع مكانة الصين، فيما خصصت صحيفة «الشعب» اليومية صفحتها الأولى كاملة للزيارة مع 6 صور لاجتماعات الرئيسين.

وجاءت افتتاحية «تشاينا ديلي» أكثر صراحة، إذ رأت أن تبادل الزيارتين بين ترامب وشي في أقل من نصف عام يحمل «أهمية كبرى» لاستقرار العلاقات، وأن الاستقبال الاستثنائي يعكس الأهمية التي توليها واشنطن للزيارة. والمفهوم المحوري في الافتتاحية هو «الاستقرار الاستراتيجي»؛ حيث المنافسة مقبولة ما دامت لا تتحول إلى مواجهة. وذهبت «غلوبال تايمز» أبعد في إبراز المكسب الرمزي، فجعلت عنوانها الفرعي أن «الاستقبال الدافئ رفيع المستوى يبرز أهمية استقرار العلاقات الثنائية للبلدين وللعالم»، ونقلت عن خبراء صينيين أن القيمة الأساسية للقمة تكمن في توفير أفق أطول من الاستقرار، مع إبراز إصرار بكين على أن موقف واشنطن من تايوان سيبقى الاختبار الأساسي لما بعد القمة.

إدارة للتنافس

على أن الصحافة الصينية لم تتكلم بصوت واحد؛ فمجلة «كايشين» الاقتصادية، الأقل خطابية من الإعلام الرسمي، قدّمت صورة أكثر توازناً؛ قالت إن الرئيسين استخدما العشاء الرسمي لتأكيد التعاون وعلاقة أكثر استقراراً، ووضعت ذلك مباشرة في سياق المنافسة الاستراتيجية بين أكبر اقتصادين في العالم على التجارة والتكنولوجيا، فقدّمت المشهد إدارةً للتنافس أكثر منه مصالحة. واختارت «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» في هونغ كونغ عنواناً أذكى: «الصورة الكبرى أم الصفقات الكبرى؟»، وخلصت، نقلاً عن باحثين صينيين، إلى أن نجاح القمة يُقاس بقدرة الطرفين على الوصول إلى تفاهمات حذرة وعملية تعزز الاستقرار الاستراتيجي، وليس بحجم الصفقة. ولاحظت الصحيفة في الوقت ذاته أن الإعلام الصيني ضخّم رمزية الاستقبال ووصف الزيارة بأنها ذات «أهمية تاريخية ومحورية».

استثمار الرمزية

واللافت أن الطرفين يصفان الوقائع نفسها تقريباً، ويمنحانها معنيين متعاكسين. السؤال الأمريكي هو: ماذا حصّل ترامب مقابل كل هذا الاستقبال؟ والسؤال الصيني هو: ماذا يقول هذا الاستقبال عن مكانة الصين؟ الأمريكي يرى في كثرة المراسم وقلة الاتفاقات ما يستوجب السؤال عن العائد السياسي، والصيني يرى في المراسم نفسها جزءاً من العائد السياسي المنتظر، لأنها تعكس الطريقة التي باتت الولايات المتحدة تنظر بها إلى الصين ورئيسها. وقد أحسن شي استثمار هذه اللغة الرمزية، فاستحضر في كلمته اهتمام جورج واشنطن بجمع الخزف الصيني وزيارة ريتشارد نيكسون التاريخية إلى الصين عام 1972، واختار أن يختتم رحلته بحفل شاي في البيت الأبيض وزيارة للأرشيف الوطني. 

من هنا تبدو الهدنة التجارية الممددة شهرين مثالاً مكثفاً على الفجوة بين التعريفين. فالتمديد، في القراءة الأمريكية، يرحّل الأسئلة المركزية، من الرسوم والمشتريات الصينية إلى إمدادات المعادن النادرة والقيود التقنية، إلى جولة التفاوض المقبلة. وفي القراءة الصينية يصلح التمديد دليلاً على أن آلية الحوار تعمل، وأن الاستقرار يُشترى بالوقت. الصحافة الأمريكية تبحث عن مخرجات قابلة للقياس: تجارة، واستثمارات، وإيران، وصادرات المعادن النادرة. والرواية الصينية تمنح وزناً أكبر لشكل العلاقة: اعتراف متبادل بالمكانة، ولقاءات منتظمة، وقبول باستمرار المنافسة مع منع انقلابها إلى صدام.

الاختبار الحقيقي

عموماً، لا تثبت المصادر أن بكين انتزعت تنازلات حاسمة من واشنطن، غير أنها تفسّر لماذا تبدو أكثر ارتياحاً إلى نتائج لقاء لم ينتج صفقة كبرى. ففي دبلوماسية القوى الكبرى، الطرف الذي يفرض تعريفه للنجاح يكتب شروط المرحلة التالية. وإذا كانت واشنطن قد خرجت من القمة بسؤال عن المكاسب، فإن بكين خرجت بمكسب تمثل في القمة نفسها. أما الاختبار الحقيقي فيبدأ بعد رحيل الضيف، مع تايوان التي وضعتها بكين معياراً لما سيأتي، ومع المعادن النادرة التي تمسك بمفاتيحها، ومع شهرين فقط يفصلان العالم عن موعد جديد لقياس صمود هذه الهدنة.