11 سبتمبر.. كارثة بين عصرين

في الذكرى الخامسة والعشرين تقرأ نيويورك أسماء نحو 3 آلاف ضحية، فيما تتجاوز حرب الولايات المتحدة مع إيران شهرها السادس التي تبدو بلا مخرج واضح، مع استعداد لسحب آخر جنود تحالفها  من العراق بحلول نهاية الشهر الجاري. مشهدان متجاوران يختصران ربع قرن؛ قوة عظمى تغادر حرباً قديمة وهي في قلب حرب جديدة.

بين إنزال العلم السوفييتي عن الكرملين في 25 ديسمبر 1991 وانهيار البرجين أقل من عشرة أعوام؛ في الأولى بدت أمريكا كأنها ربحت رهانها التاريخي بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الثانية اكتشفت أن الانفراد بالعالم لا يمنح الحصانة منه. وما بين اللحظتين انطفأت ثقة ما بعد الحرب الباردة، وبدأ زمن ستنفق فيه واشنطن المال والدم والاهتمام الاستراتيجي على حروب عجزت كثيراً عن تعريف نصرها أو رسم نهايتها.

اللحظة الأحادية

كان سقوط الاتحاد السوفييتي في العين الأمريكية أوسع من نصر عسكري؛ بدا انتصاراً للنموذج كله بديمقراطيته الليبرالية واقتصاد سوقه وعولمته. قبل أن يكتمل الانهيار كتب تشارلز كروثامر في «فورين أفيرز» عن «اللحظة الأحادية»، وكان فرانسيس فوكوياما قد أعلن في 1989 «نهاية التاريخ»، بوصف الديمقراطية الليبرالية المحطة الأخيرة في تطور البشرية الأيديولوجي. ثم انتقلت الفكرة من المجلات إلى لغة الحكم، فقالت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت في 1998: «نحن الأمة التي لا غنى عنها... نرى المستقبل أبعد مما تراه الدول الأخرى». وفي باريس صاغ وزير الخارجية الفرنسي آنذاك هوبير فيدرين لأمريكا وصف «القوة المفرطة»، ولم يكن يقصد مدحها وتزكيتها.

هكذا دخلت الولايات المتحدة الألفية الجديدة قوة بلا نظير، وبعد عشرة أعوام فقط من انفرادها بالعالم، لم يهزمها جيش ولم تسقط لها عاصمة؛ اخترقت أربع طائرات شعورها بالحصانة ووجدانها كأمة لا تقهر.

كان جوهر الصدمة في المفارقة بين قوة تبلغ جيوشها أي نقطة في الكوكب، و19 رجلاً بسكاكين صغيرة حوّلوا طائرات مدنية إلى صواريخ.

المحيطان اللذان حرسا أمريكا طويلاً لم يعودا يحرسان شيئاً في عالم الشبكات المفتوحة وخطوط الطيران العابرة، وستسمي لجنة التحقيق الوطنية ما جرى «فشلاً في الخيال».

هنا يولد السؤال الفلسفي للحدث؛ ماذا تفعل القوة المطلقة حين تكتشف حدودها؟ وجاء الجواب الأمريكي سريعاً: "نضيف المزيد من القوة".

التفويض

في 20 سبتمبر وقف جورج بوش أمام الكونغرس ليقول: «حربنا على الإرهاب تبدأ بالقاعدة، لكنها لا تنتهي عندها»، وفي الجملة بذرة الحرب التي لا تنتهي. قبل ذلك بستة أيام منح الكونغرس الرئيس تفويضاً باستخدام القوة العسكرية، مرّ في مجلس النواب بأغلبية 420 صوتاً مقابل صوت واحد، هو صوت النائبة باربرا لي التي حذّرت زملاءها: «فلنحذر من أن نصبح الشر الذي نستنكره».

سيتحول ذلك التفويض إلى سند لعمليات عسكرية في 22 دولة على الأقل، بما يتجاوز غايته الأصلية.

يرصد جيمس ليندسي في مجلس العلاقات الخارجية أن الولايات المتحدة أسقطت خلال 18 شهراً حكومتي أفغانستان والعراق وأطلقت عمليات لمكافحة الإرهاب حول العالم، من دون أن تحقق نصراً حاسماً يشبه ما حققته بعد بيرل هاربر. فسر الأكاديمي والتر راسل ميد، كاتب عمود «الرؤية العالمية» في «وول ستريت جورنال»، ذلك بأن أهداف الحرب تجاوزت ما تستطيعه القوة الأمريكية، وبـ«الإفراط في الثقة» لدى مسؤولين ظنوا أن مبادئ كونية عن الديمقراطية والحرية تكفي لمعالجة الفوضى. المعضلة إذن في قوة أغراها فائضها بأن المدفع يصلح ما عقّده التاريخ والاجتماع.

عصر أحادي

اللافت أن النشوة بلغت ذروتها بعد الصدمة؛ ففي أواخر 2002 عاد كروثامر ليكتب أن «اللحظة الأحادية صارت عصراً أحادياً». وفي أثناء الزحف على العراق عام 2003 سأل الجنرال ديفيد بتريوس سؤاله الشهير: «قل لي كيف ينتهي هذا؟».

كانت أمريكا تملك في 2001 من القوة ما يكفي لدخول أي حرب تقريباً، غير أن القدرة على بدء الحرب شيء، والقدرة على تحديد نهايتها شيء آخر.

وبعد عشرين عاماً كتب فوكوياما نفسه أن غزو العراق كان «ذروة الغطرسة الأمريكية»، وأن بلاده بالغت في تقدير قدرة القوة العسكرية على إحداث تغيير سياسي جذري.

أما الفاتورة، فيقدّر مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون أن الحكومة الفيدرالية أنفقت أو التزمت بإنفاق أكثر من 8 تريليونات دولار حتى 2021، في حروب  موّلها الاقتراض، وأن أكثر من 940 ألف إنسان قُتلوا بعنف الحرب المباشر، وترتفع الحصيلة مع الوفيات غير المباشرة إلى ما بين 4.5 و4.7 ملايين.

خصم كبير

في أبريل 2001 اصطدمت مقاتلة صينية بطائرة استطلاع أمريكية قبالة الساحل الصيني، فترسّخت قناعة إدارة بوش بأن الصين هي الخصم الكبير التالي؛ وبعد خمسة أشهر تحوّل الاهتمام فجأة إلى «الحرب على الإرهاب»، وأُرجئ ملف الصين قرابة عقدين. في ديسمبر 2001 دخلت بكين منظمة التجارة العالمية، وفي نوفمبر 2002 وصف جيانغ زيمين العقدين الأولين من القرن بأنهما «فترة فرص استراتيجية مهمة»، وهي المدة ذاتها التي قضتها أمريكا في أفغانستان. فيما اختصر الدبلوماسي السنغافوري كيشور محبوباني المشهد العالمي بقوله مخاطباً الولايات المتحدة: «بينما كنتم منشغلين بخوض الحروب، كانت الصين منشغلة بالتجارة»، وقد قفز ناتجها المحلي من 1.2 تريليون دولار في 2000 إلى أكثر من 14.7 تريليوناً في 2020.

ترتيب الأولويات

لكن الإنصاف يقتضي القول إن 11 سبتمبر لم يصنع صعود الصين، فإصلاحاتها أسبق بأكثر من عقدين، غير أن الرد الأمريكي استنزف الاهتمام الاستراتيجي في النافذة التي كان التحدي الحقيقي يتشكل خلالها. ويرى أحد الخبراء الذين استطلعت آراؤهم في الذكرى الـ25 أن الدرس الأهم ربما أن الصدمات الأمنية تضيّق خيال صانعي القرار حين ينبغي أن يتسع، وأن الهجمات أعادت ترتيب السياسة الخارجية حول الإرهاب بإفراط، فصرفت الانتباه عن تهديدات أخرى. وحين كانت واشنطن تبحث في جبال أفغانستان وصحارى العراق عن الخطر الذي سيحدد سيد القرن، كان منافس القرن يبني المصانع والموانئ وسلاسل التوريد، وكان فلاديمير بوتين يقف في ميونخ عام 2007 ليعلن رفضه عالماً بقطب واحد.

حاول الرؤساء اللاحقون إغلاق الباب، إذ قال باراك أوباما في 2013 إن «هذه الحرب، ككل الحروب، يجب أن تنتهي»، وقبله بعامين نبّه وزير الدفاع روبرت غيتس طلاب ويست بوينت إلى أن أي وزير يوصي مستقبلاً بإرسال جيش بري كبير إلى آسيا أو الشرق الأوسط يحتاج إلى «فحص عقله».

وفي أغسطس 2021 خرجت القوات الأميركية من كابول وعادت طالبان إلى الحكم، لكن البنية بقيت مع ذلك؛ التفويض والالتزامات، ورعاية قدامى المحاربين وحدها ستكلف ما بين 2.2 و2.5 تريليون دولار بحلول 2050. ثم جاء عام 2026، ليطلق الرئيس دونالد ترامب الذي وعد بأن يكون «رئيس سلام»، مع إسرائيل في 28 فبراير عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران، من دون صدمة وطنية تشبه 11 سبتمبر، فعدّها منتقدون حرباً اختيارية؛ وبعد ستة أشهر تبدو واشنطن عالقة في حرب استنزاف بلا مخرج واضح، فيما رفع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أسعار الوقود الأمريكية. وفي ذلك يرى سينا طوسي من مركز السياسة الدولية أن ترامب كسر قيداً ترسّخ في واشنطن بعد العراق وأفغانستان ضد إطلاق حرب كبرى مفتوحة جديدة في الشرق الأوسط، في حين ينفي مارك دوبويتز، رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن تكون حرباً بلا نهاية، ويصفها بأنها ردّ على حرب تشنّها طهران على أمريكا منذ 47 عاماً. وبين الرأيين سؤال يتجاوز إيران؛ هل خرجت أمريكا فعلاً من عصر 11 سبتمبر، أم أنها غادرت حروبه القديمة وهي ما تزال تفكر بمنطقه؟

قوة عظمى

كان 11 سبتمبر كارثة بين عصرين.. فقبله، قوة خرجت منتصرة من الحرب الباردة وهي تعتقد أن التاريخ استقرّ على النظام الذي صنعته. وبعده، قوة تستخدم تفوقها لإعادة تشكيل عالم اكتشفت أنه أشد مقاومة للقوة مما ظنّت.

لم تسقط الولايات المتحدة، وقد توقّع فوكوياما أن تبقى قوة عظمى سنوات طويلة، وأن يكون مدى نفوذها مرهوناً بقدرتها على إصلاح مشكلاتها الداخلية أكثر من سياستها الخارجية. لكنها أنفقت ربع قرن على حروب بدأت بجواب واضح عن سؤال «لماذا نقاتل؟»، وانتهت بأسئلة أصعب: متى نتوقف؟ ماذا حققنا؟ وما الذي كان يجري في العالم بينما كنا نقاتل؟ وحين يغادر آخر جندي أمريكي العراق بعد وجود عسكري امتد 23 عاماً، سيبقى الحصار البحري الأمريكي مضروباً على إيران عند الضفة الشرقية للخليج العربي.

ربما كان 11 سبتمبر لحظة اكتشاف القوة العظمى أن التفوق لا يعصم صاحبه من الخطأ، وأن القوة لا تُقاس دائماً بحجم الرد، بل أحياناً بالقدرة على ضبطه.