في تجمّع انتخابي، مساء الأحد الماضي، كان السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يهاجم الرئيس دونالد ترامب على خلفية طول فترات انتشار البحّارة في الحرب مع إيران، فقال إن الرئيس «ينام في اجتماعاته، ويلعب الغولف ويتاجر بالأسهم»، ثم أضاف جملة تحوّلت خلال ساعات إلى حديث الولايات المتحدة كلها: إنه «يريد بناء قاعة رقصه، والسفر مع ناتالي على قصرهما الطائر».
وردّت زعيمة الأغلبية في مجلس شيوخ ميشيغان مالوري مكمورو على منصة إكس بأربع كلمات: «حسناً، سأبتلع الطُّعم.. مَن ناتالي؟»
السؤال طرحه ملايين الأميركيين في الساعات التالية، والجواب اسم كان معروفاً في أروقة واشنطن منذ سنوات دون أن يعبر إلى الجمهور؛ ناتالي هارب (35 عاماً)، المساعدة التنفيذية لرئيس الولايات المتحدة، والمعروفة داخل البيت الأبيض وخارجه بلقب لا يخلو من قسوة «الطابعة البشرية».
دخلت هارب مدار ترامب عام 2019 من باب غير سياسي تماماً. حين أشادت علناً بتشريع وقّعه، هو قانون «الحق في المحاولة» الذي يتيح للمرضى الميؤوس من حالتهم تجريب أدوية لم تُعتمد نهائياً، وقالت إنه أتاح لها الحصول على علاج تجريبي لسرطان في العظام.
ثم دعاها إلى الحديث من على منصة المؤتمر الوطني الجمهوري عام 2020، فوقفت أمام الكاميرات وشبّهته بشخصية جيمي ستيوارت في فيلم «إنها حياة رائعة»، وقالت مخاطبةً إياه: «ما كنتُ لأبقى حيّة لولاك». وكان والدها، وهو رجل أعمال عقاري مثل ترامب، قد توفي قبل ذلك الخطاب بشهر واحد.
وهي خرّيجة جامعة بوينت لوما نازارين عام 2012، ونالت ماجستير إدارة الأعمال من جامعة ليبرتي عام 2015، وقد تلقّت تعليمها الأول في المنزل مع شقيقها الأكبر بريستون.
من خطاب المؤتمر انتقلت إلى تقديم برنامج على شبكة «وان أميركا نيوز» اليمينية، ومن الشاشة إلى حملة ترامب عام 2022، ومنها إلى مكتب المساعدة التنفيذية للرئيس في 20 يناير 2025.
أما اللقب الذي التصق بها فجاء من كونها حلّت بشكل عملي مشكلة شخصية عند رجل يكره القراءة على الشاشات؛ حيث صارت هارب تلاحق ترامب بطابعة محمولة مزوّدة ببطارية، تسلّمه نسخاً ورقية من الأخبار والمنشورات كي تجنّبه النظر إلى الشاشة.
كانت ترافقه في ملاعب الغولف حاملةً الطابعة وحاسوباً محمولاً، وخلال محاكمته الجنائية في نيويورك جلست خلفه كل يوم تمدّه بتدفّق مستمر من الأخبار المديحية، مثبّتة بمشابك ورق ذهبية.
وهي تصف عملها بلغة مهنية خالصة. قالت لـ«فوكس نيوز ديجيتال» إن «السرّية والسرعة والدقة والقدرة على التكيّف» هي مفاتيح العمل مع الرئيس، وإنها أنشأت له «مكتباً متنقلاً» لأنه يريد أن يظلّ متاحاً دائماً: «الأخبار العاجلة لا تراعي أين تكون. من هنا وُلد مكتبنا المتنقل».
يصفها حلفاء جمهوريون بأنها «عين وأذن إضافية للرئيس»، بينما قال عنها حاكم ساوث كارولينا هنري مكماستر إنها «محترفة إلى أقصى حدّ، شديدة الاندفاع، منضبطة ومخلصة».
تروث سوشيال
مع تولّيها منصبها حصلت على صلاحية الوصول إلى حساب ترامب على منصة «تروث سوشال»، فكانت مسؤولة عن عدد من المنشورات المثيرة للجدل الصادرة عنه. وبحسب «نيويورك تايمز»، تكون هارب غالباً العين الأخيرة على كثير من منشوراته اللاذعة؛ تكتب ما يُمليه، وتضغط زرّ النشر، في غياب مساعدين آخرين قد يوقفون المنشور قبل خروجه. والمشهد موثّق بالصورة؛ ففي تسجيل من كواليس الحملة يظهر ترامب جالساً أمام التلفزيون محاطاً بكبار فريقه، يُملي تعليقه الساخر بينما تكتب هارب بسرعة وتنشر مباشرة، وهو يسترق النظر فوق كتفها ويومئ بالموافقة.
هنا يبدأ القلق الجدّي، فقد أثار مستوى سيطرتها على تدفّق المعلومات مخاوف داخل دائرة ترامب نفسها من أن يكون لها تأثير غير مبرَّر على إدراكه للأحداث الجارية، إذ أفادت مصادر لم تُسمَّ لـ«نيويورك تايمز» بأنها كثيراً ما تستقي الأخبار من مصادر ذات طابع تآمري، وتزوّده بالتغطيات الإيجابية عنه. ويقول الصحفي جوناثان سوان إنها «مكرّسة له تماماً»، وإنها في اجتماعات المكتب البيضاوي «تجلس على كرسي جانبي وحاسوبها مفتوح».
وقد ظهر هذا الدور مرة على الهواء مباشرة. ففي اللقاء المتوتر مع الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، حين طلب ترامب خفض إضاءة المكتب البيضاوي وعرض مقطع مصوّر في مناورة بدت معدّة سلفاً، كانت هارب هي من وصلت الحاسوب بشاشة التلفزيون.
الهروب من أنقرة
الحدث الذي أعاد اسمها إلى الواجهة هذا الشهر وقع في تركيا. فقد نُقلت هارب، برفقة المساعدَين دان سكافينو ووولت ناوتا ووزير الدفاع بيت هيغسيث، من طائرة الرئاسة إلى طائرة أخرى مع ترامب أثناء مغادرته البلاد وسط تهديد إيراني مزعوم.
وبحسب «نيويورك تايمز»، بدّل ترامب طائرته سرّاً عبر عربة تموين، تاركاً الصحفيين ومسؤولين آخرين في مجلس الوزراء على متن "الطائرة الطعم". وأثار الأمر ردّ فعل واسعاً حين اتضح من بقي خلفه. وحين سُئلت ماغي هابرمان، التي كشفت الحيلة، عن سبب اصطحاب هارب تحديداً، أجابت واصفةً إياها بأنها «مهدّئ ترامب البشري».
ومن هذه النقطة تحديداً انزلقت القصة من التغطية إلى الإشاعة، لكن يجدر التمييز بين ما هو موثّق وما هو مزعوم وما لا سند له أصلاً.
فقد كتب مراسلا «نيويورك تايمز» ماغي هابرمان وجوناثان سوان، في كتابهما «تغيير النظام»، أن ترامب يعدّها من أكثر مساعديه ولاءً، وأن هارب أرسلت إليه عام 2023 سلسلة رسائل بدت شديدة العاطفة، قالت في إحداها إنه «كل ما يهمّها»، ووصفته بأنه «الحارس والحامي في هذه الحياة»، وكتبت: «أريد أن أجلب لك السعادة». وقال سوان إن تلك الرسائل «أثارت دهشة الخدمة السرّية خلال الحملة». وقال شقيقها بريستون، المنفصل عنها وعن والدتهما، لصحيفة «ديلي ميل» إن علاقتها بترامب «غير صحية إطلاقاً».
أما رواية الكاتب مايكل وولف فتقف على أرض أضعف، إذ يزعم أن الخدمة السرّية لاحظت «غرابة سلوكها»، وأنها عرضت في الأسبوع الثالث من المحاكمة نشر هجمات ترامب باسمها هي لتجاوز أمر منع النشر قائلة «سأذهب إلى السجن»، وسط ذهول فريقه القانوني، غير أن مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشونغ وصف وولف مراراً بأنه كاذب يختلق القصص باستمرار.
تلميحات بلا سند
أشارت «فوربس» صراحةً إلى أن خصوم ترامب روّجوا في الأسابيع الأخيرة إيحاءات غير موثّقة عن الاثنين، تستند وحدها إلى مشهد ظهور هارب المتكرر إلى جانبه رغم فارق السنّ الكبير.
وقد ردّ ترامب على أوسوف بسخرية حين سُئل مشبهاً إياه بشخصية هزلية: «تقصد بي وي هيرمان؟»، كما هاجم تشونغ السيناتور أوسوف على منصة إكس قائلاً إن عليه، بدل «الحطّ من قدر أشخاص يعملون بجدّ في خدمة بلدهم»، أن يسأل نفسه لماذا هو شخص بائس يكره هذا البلد.
واللافت أن الاعتراض جاء من ضفة أخرى أيضاً؛ حيث انتقد المعلّق في «سي إن إن» سكوت جينينغز النبرة الضمنية في كلام أوسوف، متسائلاً عن الرسالة التي يبعثها الحزب الديمقراطي بها إلى الشابات العاملات في السياسة، واصفاً الأمر بأنه «قبيح».
خلف الضجيج الشخصي كله، تطرح قصة ناتالي هارب سؤالاً بنيوياً يتجاوزها ويتجاوز ترامب نفسه؛ من يملك حقّ تحديد ما يراه رئيس دولة عظمى؟
في البنية الكلاسيكية للرئاسة الأميركية تمرّ المعلومة عبر مصفاة مؤسسية؛ أجهزة استخبارات، ومجلس أمن قومي، وموجز يومي معتمد، وموظفون كبار يوازنون بين الروايات المتنافسة. والمساعد الشخصي كان تاريخياً حارس الوقت، يقرر من يدخل ومتى. هنا تحوّل المساعد الشخصي إلى حارس المضمون. من يحمل الطابعة يقرر ما يُطبع، ومن يقرر ما يُطبع يشكّل جزءاً مما يعرفه الرئيس. وحين تكون اليد نفسها هي التي تكتب على حساب الرئيس وتضغط زرّ النشر، تكتمل الحلقة.
ناتالي هارب لا تحمل حقيبة نووية، ولا تجلس على طاولة مجلس الأمن القومي لأعظم إمبراطوريات التاريخ.. إنها فقط تحمل طابعة تكتب عليها ما يمليه الرئيس.