تتحرك الولايات المتحدة لتوسيع إنتاج صواريخ الدفاع الجوي بوتيرة غير مسبوقة، بعدما كشفت الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط عن فجوة كبيرة بين معدلات استهلاك الصواريخ الاعتراضية وقدرة المصانع الأميركية على تعويضها.
وأعلن البنتاغون توقيع اتفاقية إطارية مع شركتي «لوكهيد مارتن» و«نورثروب جرومان» لزيادة إنتاج المكوّنات الأساسية لصواريخ «باتريوت» ومنظومات «ثاد»، بما يشمل محركات الوقود الصلب وأجهزة أمان الإشعال والمكوّنات الهيكلية المستخدمة في الصواريخ الاعتراضية.
وعلى الرغم من أن وزارة الدفاع الأميركية لم تعلن قيمة الاتفاقية، كشفت «نورثروب جرومان» أن الاتفاقات المرتبطة بها تتجاوز قيمتها 3 مليارات دولار. ويتعلق الاتفاق الأول، وقيمته مليارا دولار، بإنتاج محركات الوقود الصلب وأجهزة أمان الإشعال الخاصة بصواريخ «PAC-3 MSE»، فيما تبلغ قيمة الاتفاق الثاني مليار دولار لزيادة تسليم مكوّنات صواريخ «ثاد» على مدى 7 سنوات.
تستهدف الخطة الأميركية رفع الطاقة الإنتاجية السنوية لصواريخ «PAC-3 MSE» من نحو 600 صاروخ إلى 2000 صاروخ، فيما سيرتفع إنتاج صواريخ «ثاد» من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً.
وبذلك، ستزداد الطاقة الإنتاجية المجمعة للنظامين من نحو 696 صاروخاً اعتراضياً سنوياً إلى 2400 صاروخ، أي أكثر من 3 أمثال المستوى الحالي، عند اكتمال توسعة المصانع وخطوط التوريد. ومن المقرر الوصول إلى المعدل المستهدف لإنتاج «باتريوت» بحلول نهاية 2030، ضمن برنامج يمتد 7 سنوات.
وكانت «لوكهيد مارتن» قد سلّمت 620 صاروخاً خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 20% مقارنة بالعام السابق. كما تقول الشركة إنها رفعت الإنتاج بأكثر من 60% خلال عامين، قبل الانتقال إلى خطة التوسع الجديدة التي تستهدف إنتاج آلاف الصواريخ سنوياً للقوات الأميركية والدول الحليفة.
يأتي اتفاق المكوّنات بعد أيام من منح الجيش الأميركي شركة «لوكهيد مارتن» عقداً تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ «باتريوت PAC-3 MSE»، في أكبر اتفاق طويل الأجل لإنتاج هذا الطراز.
ويحوّل العقد اتفاقاً أولياً بقيمة 4.7 مليارات دولار، أُعلن في أبريل، إلى برنامج شراء يمتد من السنة المالية 2026 حتى 2032. ويمنح العقد الشركة والموردين رؤية أوضح لحجم الطلب، ما يسمح ببناء مصانع جديدة وشراء المعدات وتوظيف العمال قبل صدور طلبات التسليم السنوية.
وتخطط «لوكهيد مارتن» لزيادة عدد العاملين في مصنعها بمدينة كامدن في ولاية أركنساس بنحو 50%، من 1200 إلى قرابة 1850 موظفاً. كما تعتزم استثمار ما بين 8 و9 مليارات دولار حتى عام 2030 لتحديث أكثر من 20 منشأة صناعية أميركية، بينها مراكز جديدة لإنتاج الذخائر والصواريخ في أركنساس وألاباما.
35 مليار دولار لصواريخ «ثاد»
وفي مسار موازٍ، حصلت «لوكهيد مارتن» في يونيو على عقد يمتد 7 سنوات وتصل قيمته إلى 35 مليار دولار، بهدف زيادة إنتاج صواريخ «ثاد» من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً.
ويعمل «PAC-3 MSE» ضمن منظومة «باتريوت» لاعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز والطائرات بالاصطدام المباشر بالهدف، بينما صُمم «ثاد» لاعتراض الصواريخ الباليستية في المرحلة النهائية من مسارها، داخل الغلاف الجوي أو خارجه وعلى ارتفاعات أعلى.
وتعني زيادة إنتاج النظامين توسيع طبقتين مختلفتين من شبكة الدفاع الصاروخي؛ إذ يستخدم «ثاد» ضد الصواريخ الباليستية على ارتفاعات بعيدة، فيما يوفر «باتريوت» طبقة اعتراض أقرب إلى المواقع والمدن والقواعد المراد حمايتها.
المخزونات تحت الضغط
تأتي هذه التوسعات بعد استخدام واسع للصواريخ الأميركية في أوكرانيا والشرق الأوسط. ووفق بيانات نقلتها رويترز عن البنتاجون، استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها أكثر من 50 ألف صاروخ وقذيفة وذخيرة صاروخية منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022، وصولاً إلى العمليات العسكرية ضد إيران التي بدأت في فبراير 2026.
وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن المخزون الأميركي يقل عن 1000 صاروخ «باتريوت» وأقل من 250 صاروخ «ثاد»، مع تسجيل استخدام مكثف للنظامين في الشرق الأوسط. وتواجه أوكرانيا في الوقت نفسه نقصاً مزمناً في صواريخ «باتريوت»، التي تمثل الوسيلة الوحيدة الموجودة في ترسانتها والقادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية.
ويبلغ سعر صاروخ «PAC-3 MSE» نحو 4 ملايين دولار، وفق وثائق ميزانية الجيش الأميركي، ما يجعل اعتراض الهجمات الصاروخية المكثفة عملية مرتفعة التكلفة، خصوصاً عندما يطلق أكثر من صاروخ اعتراضي تجاه الهدف الواحد لضمان تدميره. ولهذا أعلنت «لوكهيد مارتن» تطوير صاروخ جديد يحمل اسم «PAC-3 ACE»، تقل كلفته عن نصف سعر «MSE»، مع احتمال بدء إنتاجه الأولي في عام 2028.
الإنتاج لن يرتفع فوراً
ولا تعني العقود الجديدة أن آلاف الصواريخ ستدخل المخازن الأميركية بصورة فورية. فالحديث يدور عن توسيع الطاقة الصناعية على مدى سنوات، ويتطلب بناء مرافق جديدة وتأهيل الموردين وتوظيف العمال واختبار خطوط الإنتاج.
كما أن عقود الـ58.6 مليار دولار و35 مليار دولار تمثل سقوفاً قصوى لاتفاقات طويلة الأجل، وليست مبالغ ستُدفع دفعة واحدة. وستظل الكميات السنوية ومواعيد التسليم مرتبطة بالمخصصات التي يقرها الكونغرس وبالعقود التنفيذية التي يوقعها البنتاجون مع الشركات.
لكن الاتفاقات تمنح المصانع ضماناً بوجود طلب مستمر حتى عام 2032، وتفتح الطريق أمام انتقال إنتاج «باتريوت» و«ثاد» من مئات الصواريخ سنوياً إلى نحو 2400 صاروخ عند اكتمال خطة التوسع.
