على مدرجٍ في ولاية ديلاوير، وقف دونالد ترامب صامتاً أمام نعوش أربعة جنودٍ أمريكيين عادوا من حرب إيران ملفوفين بالعَلَم. وحين صعد إلى الطائرة الرئاسية بعد دقائق، تحول القصر المحمول جواً «إير فورس وان» إلى غرفة حرب.
هناك، بين مشهد الموت الذي تركه على الأرض والخريطة العسكرية المفرودة أمامه، كان على الرئيس أن يختار بين طريقين؛ ضربةٌ محدودة تُبقي باب الدبلوماسية موارباً، أو حملةٌ جوية عقابية واسعة قد تمتدّ أسبوعين وتغيّر وجه الحرب.
بحسب تقريرٍ مفصّل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، حملت الخطة الأكثر تصعيداً بصمة رجلٍ نادراً ما يظهر في الصورة؛ هو الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي يدير دفّة الحرب بهدوءٍ من مقرّه في تامبا بولاية فلوريدا، فيما يتولّى الجنرال دان كاين ووزير الدفاع بيت هيغسيث الواجهة الإعلامية.
أعدّ كوبر خطةً لحملةٍ جوية مكثّفة تتراوح بين عشرة أيامٍ وأربعة عشر يوماً، هدفها إنزال ضررٍ بالغ بالقدرات الصاروخية الإيرانية.
ومنطق الخطة حملةٌ واسعة تقلّص قدرة طهران على الرد، وتخفّض مع الوقت الطلب على مخزونٍ أمريكي شحيح من صواريخ الاعتراض؛ وقد لا تقتصر على واشنطن وحدها، إذ يرجّح مسؤولون أن تشارك فيها إسرائيل.
مع الأخذ في الاعتبار تقديرات الاستخبارات الأميركية التي تفيد بأن 21 إلى 22 بالمئة من منظومة الصواريخ الإيرانية لا تزال سليمة وقادرة على العمل، رغم الضربات التي نُفذت خلال الأشهر الماضية، وهو ما يعزز حجج الداعين إلى توسيع الحملة العسكرية.
خيار التصعيد يُظهر ترامب رئيساً لا يترك دماء جنوده بلا ثمن، بينما يشدّ خيار الضربة المحدودة في اتجاهٍ معاكس؛ إبقاء مسارٍ سياسيٍّ مفتوح، ومنع الحرب من التمدّد إلى مواجهةٍ طويلة تبتلع الخليج وأسواق الطاقة والقواعد الأمريكية.
وتزداد حساسية القرار مع اتّساع رقعة النار، فقد نفّذت القيادة المركزية موجة ضرباتٍ جديدة، ليلة الخميس، استهدفت عشرات المواقع التابعة للحرس الثوري الإيراني — مراكز قيادة، ومنشآت صاروخية، ومنصّات مسيّرات، وقدراتٍ بحرية وساحلية — رداً على هجماتٍ صاروخية إيرانية على قوات أمريكية.
لذلك تبدو لحظة ترامب على متن الطائرة اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة حربٍ من دون أن تخرج عن سيطرتها، وعلى معاقبة إيران من دون أن تمنحها ذريعةً لتوسيع المعركة، وعلى استعراض القوّة من دون أن تُنفقها في نزيفٍ مفتوح.

