ليندسي غراهام.. كيف تعلم السياسة من البلياردو والغولف؟

أعلن مكتب السيناتور الججمهوري ليندسي غراهام في وقت مبكر من صباح الأحد أنه توفي مساء السبت بعد «مرض قصير ومفاجئ»، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن سبب الوفاة أو مكانها، بحسب تقارير «وول ستريت جورنال» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست».

وكان غراهام قد عاد لتوه من زيارة إلى أوكرانيا، حيث التقى الرئيس فولوديمير زيلينسكي يوم الجمعة، وزار مصنعاً للطائرات المسيّرة. وكانت تلك زيارته العاشرة إلى أوكرانيا وآخر رحلة له إلى الخارج. كما كان من المقرر أن يظهر صباح الأحد في برنامج على شبكة «إن بي سي»، وفق «واشنطن بوست».

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن فرق الطوارئ استجابت مساء السبت لبلاغ عن حالة طبية طارئة لشخص يعاني توقف القلب في عنوان إقامة غراهام بمنطقة كابيتول هيل، استناداً إلى تسجيل لاتصالات الشرطة اللاسلكية اطلعت عليه الصحيفة.

وكتب ترامب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن غراهام كان «واحداً من أعظم الأشخاص وأعضاء مجلس الشيوخ الذين عرفتهم على الإطلاق»، مضيفاً: «كان يعمل دائماً، وكان وطنياً أميركياً حقيقياً. سنفتقد ليندسي كثيراً».

وأحدثت وفاة أحد أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين نفوذاً صدمة في واشنطن. وقال السيناتور الجمهوري عن أوهايو بيرني مورينو : «صدمة تامة وعدم تصديق لفقدان أميركي عظيم»، فيما قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون: «قلبي مثقل بالحزن هذا الصباح».

من حانة إلى مجلس الشيوخ

وُلد ليندسي أولين غراهام في 9 يوليو 1955 في بلدة سنتر بولاية ساوث كارولاينا، وهي بلدة صغيرة في مقاطعة بيكنز، استمدت اسمها من وقوعها في منتصف خط للسكك الحديدية بين شارلوت وأتلانتا، وفق «واشنطن بوست».

نشأ غراهام مع شقيقته دارلين في الغرف الواقعة خلف الحانة التي كان يديرها والداه، فلورنس جيمس غراهام، المعروف باسم «إف. جي» أو «دود»، وميلي والترز غراهام. وكان المكان، الذي عُرف باسم «سانيتاري كافيه»، يجمع بين الحانة والمطعم وصالة البلياردو ومتجر لبيع المشروبات الكحولية.

وبينما كان والده يخدم زبائن الحانة، وغالبيتهم من عمال المصانع، كان غراهام يرتب كرات البلياردو ويرد على المكالمات الهاتفية. ونقلت «واشنطن بوست» عنه، في مقابلة سابقة، قوله مازحاً إنه تعلم في ذلك المكان كل ما يحتاج إليه عن السياسة، فقد كان يضطر أحياناً إلى إبلاغ زوجة تبحث عن زوجها عبر الهاتف: «يقول إنه غير موجود هنا».

وفي مذكراته الصادرة عام 2015، كتب غراهام، بحسب «نيويورك تايمز»: «كان منزلي حانة»، لكنه أضاف أنه كان محبوباً داخل تلك الجدران بقدر ما يمكن أن يحظى به أي طفل من حب والدين مخلصين.

كان أول فرد في عائلته يلتحق بالجامعة، وانضم إلى برنامج تدريب ضباط الاحتياط في جامعة ساوث كارولاينا، آملاً أن يصبح طياراً عسكرياً. لكن مشكلة في أذنه ودرجاته الضعيفة في الرياضيات حالتا دون تحقيق ذلك الطموح.

وتغيرت حياته بصورة جذرية أثناء دراسته الجامعية. ففي عام 1976، عندما كان يبلغ 20 عاماً، توفيت والدته بسرطان الغدد اللمفاوية. وبعد نحو 15 شهراً، توفي والده بأزمة قلبية، تاركاً غراهام مسؤولاً عن شقيقته الصغرى دارلين.

أصبح غراهام الوصي القانوني على شقيقته، التي انتقلت للعيش مع أقارب، ثم تبناها قانونياً بعد تخرجه في كلية الحقوق حتى تتمكن من الاستفادة من امتيازاته العسكرية.

وقال غراهام في مقابلة مع «واشنطن بوست» إنه وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن مراهقة، وإن شعوره الشديد بالمسؤولية جعله يبالغ أحياناً في حمايتها، إذ لم يكن يسمح لها بالخروج، وكان يشم ملابسها ليتأكد من أنها لم تدخن، ويتنصت إلى مكالماتها الهاتفية.

ومن جانبها، وصفت دارلين غراهام نوردون شقيقها بأنه «أخ وأب وأم في شخص واحد»، وفق «واشنطن بوست». كما قالت لـ«نيويورك تايمز» عام 2015: «كان ليندسي دائماً والدي. لم يكن هناك أي شك في ذهني أو في ذهن أي شخص آخر في أنه كان ولي أمري».

المحامي العسكري

حصل غراهام على درجة البكالوريوس عام 1977، ثم شهادة في القانون عام 1981، من جامعة ساوث كارولاينا. وبعد تخرجه، التحق بهيئة المحامين العسكريين في القوات الجوية الأميركية، وعمل مدعياً عاماً ومحامي دفاع في أوروبا.

واكتسب اهتماماً وطنياً عندما دافع عن طيار في القوات الجوية اتُهم بتعاطي الماريغوانا، وظهر في تقرير لبرنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس» تناول أوجه الخلل في إجراءات فحص المخدرات داخل القوات الجوية.

وبعد انتهاء خدمته الفعلية، عاد إلى ساوث كارولاينا، لكنه واصل مسيرته العسكرية في الحرس الوطني الجوي للولاية، واستُدعي إلى الخدمة داخل الولايات المتحدة خلال حرب الخليج عام 1991.

وفي عام 1995، انضم إلى قوات الاحتياط في القوات الجوية، وظل فيها 20 عاماً قبل أن يتقاعد برتبة عقيد. وخلال تلك الفترة، خدم في مهمات متعددة في العراق وأفغانستان، وأصبح أول عضو في مجلس الشيوخ منذ عقود يؤدي خدمة عسكرية في منطقة قتال وهو لا يزال في منصبه، بحسب «واشنطن بوست».

صعود سياسي مع الموجة الجمهورية

بدأ غراهام مسيرته السياسية بعضوية مجلس نواب ساوث كارولاينا، قبل أن يفوز عام 1994 بمقعد في مجلس النواب الأميركي ضمن الموجة الجمهورية التي أعادت الحزب إلى السيطرة على المجلس بعد عقود من هيمنة الديمقراطيين.

وأمضى أربع ولايات في مجلس النواب، وبرز على المستوى الوطني عام 1999، عندما كان واحداً من النواب الجمهوريين الذين عرضوا قضية عزل الرئيس بيل كلينتون أمام مجلس الشيوخ.

وخلال المحاكمة، استثمر غراهام لهجته الجنوبية وأسلوبه الشعبي في توجيه انتقادات إلى كلينتون بسبب علاقته بالمتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي. ونقلت «واشنطن بوست» عنه قوله، تعليقاً على مكالمة هاتفية أجراها كلينتون في وقت متأخر من الليل: «في المكان الذي أتيت منه، عندما تتصل بشخص في الساعة الثانية والنصف صباحاً، فهذا يعني أنك تنوي أمراً غير سليم».

وفي عام 2002، تقاعد السيناتور ستروم ثورموند، الذي شغل مقعد ساوث كارولاينا في مجلس الشيوخ قرابة نصف قرن وبلغ عند تقاعده 100 عام. ترشح غراهام لخلافته، وفاز على منافسه الديمقراطي بفارق 10 نقاط مئوية، في ما وصفته «واشنطن بوست» بأنه أغلى سباق لمجلس الشيوخ في تاريخ الولاية آنذاك.

ومنذ دخوله مجلس الشيوخ عام 2003، حافظ غراهام على مقعده لأكثر من عقدين. وقبل وفاته بشهر، تغلب على خمسة منافسين في الانتخابات التمهيدية الجمهورية، متجنباً جولة إعادة، ومتقدماً نحو انتخابات عامة كان يُرجح فوزه بها للحصول على ولاية خامسة.

شريك ماكين وصقر التدخل العسكري

رغم التحولات التي شهدتها مواقف غراهام الداخلية وعلاقاته السياسية، اتفقت الصحف الثلاث على أن رؤيته للسياسة الخارجية ظلت أكثر جوانب مسيرته ثباتاً.

كان غراهام من أشد المدافعين عن استخدام القوة العسكرية الأميركية، ودعم الحروب في العراق وأفغانستان، وعارض الانسحاب العسكري من البلدين، كما دعا إلى تخصيص الأموال الأميركية لدعم الحلفاء ومواجهة الخصوم في الخارج.

وتوطدت مواقفه التدخلية من خلال علاقته الوثيقة بالسيناتور الجمهوري جون ماكين، مرشح الحزب للرئاسة عام 2008. وكان غراهام قد أيد ماكين خلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية عام 2000 في ساوث كارولاينا ضد جورج دبليو بوش، رغم أن بوش فاز بالترشيح والرئاسة لاحقاً.

إسرائيل وإيران.. أكثر الملفات حضوراً

كان غراهام واحداً من أقوى مؤيدي إسرائيل في مجلس الشيوخ، وأقام علاقات وثيقة مع قادتها، ودافع عن أمنها بوصفه جزءاً من الأمن القومي الأميركي.

ونقلت «نيويورك تايمز» عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قوله بعد وفاة غراهام: «كان ليندسي يدرك أن أمن إسرائيل وأميركا لا ينفصلان»، مضيفاً: «فقدت إسرائيل واحداً من أعظم أصدقائها».

أما في حديثه إلى شبكة «فوكس نيوز»، فقد وصف نتانياهو غراهام بأنه «صديق عظيم»، وقال، «لم ينحنِ أمام الحملات أو رياحها. كان يعرف من هم الأخيار، وكان يعرف من هم الأشرار، ولم يخلط بين الطرفين قط».

وفي الملف الإيراني، كان غراهام أحد أبرز الأصوات الداعية إلى التشدد. وضغط على ترامب لاتخاذ موقف صارم من طهران، وأيد العمل العسكري ضد منشآتها، وحذر من التوصل إلى اتفاق مبكر معها.

أقرب حلفاء ترامب؟

مثلت علاقة غراهام بترامب أكثر فصول مسيرته إثارة للجدل. فقد بدأ بوصفه واحداً من أشد منتقديه داخل الحزب الجمهوري، قبل أن يتحول إلى حليف وثيق ومستشار دائم وشريك له في لعب الغولف.

وخلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016، وصف غراهام ترامب بأنه «ديماغوجي»، و«مثير للانقسامات العرقية»، و«كاره للأجانب»، و«متعصب ديني».

وقال في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» عام 2015، وفق «نيويورك تايمز»: «هل تعرف كيف تجعل أميركا عظيمة مجدداً؟ قل لدونالد ترامب أن يذهب إلى الجحيم».

لكن لهجته بدأت تتغير بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض. وفي أبريل 2018، أعلن دعمه لإعادة انتخابه عام 2020، وأصبح أحد الأصوات المؤثرة في الإدارة، خصوصاً في السياسة الخارجية.

وتطورت العلاقة بينهما من خلال جولات الغولف المنتظمة. ونقلت «وول ستريت جورنال» عن السيناتور الديمقراطي ديك دوربين قوله مازحاً إن غراهام استطاع إقناع ترامب بالاستماع إليه لأنه «يخسر باستمرار في الغولف عندما يلعب مع الرئيس».

وبصفته أحد أبرز المدافعين عن ترامب ومستشاريه، تمتع غراهام بقدرة غير اعتيادية على الوصول إلى الرئيس، واستخدم الإطراء ومنح الفضل لترامب في محاولة توجيه السياسات.