مرتدياً تاجاً.. ترامب لا يبالي بثورة "لا للملوك" الأمريكية

لم يعد الذكاء الاصطناعي في السياسة الأمريكية مجرد أداة خلفية لصناعة الرسائل أو تحليل الناخبين. في حالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صار الذكاء الاصطناعي جزءاً من المشهد نفسه: صور وفيديوهات متخيلة، شخصيات مبالغ فيها، ملك يرتدي تاجاً، طائرة مقاتلة تحمل اسمه، ومقاطع ساخرة تُنشر على منصة  "تروث سوشال" كما لو أنها بيان سياسي بلغة "الميمز".

القضية الأخيرة جاءت بعد احتجاجات “No Kings” التي خرجت في مدن أمريكية عدة رفضاً لما يراه منظموها توسعاً في صلاحيات ترامب ونزعة سلطوية في إدارته. وبينما كان الشعار نفسه يقول "لا للملوك"، جاء رد ترامب بصور معاكسة تماماً: مقطع مولد بالذكاء الاصطناعي يظهره مرتدياً تاجاً، داخل طائرة مقاتلة كتب عليها "الملك ترامب"، وهي تلقي سائلاً بنياً على حشود من المتظاهرين.

لم يكن الفيديو مجرد نكتة سياسية عابرة. فقد كشف عن مرحلة جديدة في استخدام السلطة للصورة الاصطناعية: ليس من أجل إقناع الناس بحقيقة ما، بل من أجل إغراقهم بصورة ساخرة تستفز الخصوم وتُمتع المؤيدين وتسيطر على دورة الأخبار لساعات وربما أيام.

وشارك نائب الرئيس جي دي فانس مقطعاً آخر يظهر ترامب كملك تتهاوى أمامه شخصيات ديمقراطية. في هذه اللحظة، لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة للخيال فقط، بل أصبح امتداداً لأسلوب سياسي قائم على السخرية، والمبالغة، وتحويل النقد إلى عرض بصري.

منذ حملته الأولى، لم يتعامل ترامب مع وسائل التواصل كمنصة إعلان فقط، بل كحلبة اشتباك. الجديد اليوم أن الذكاء الاصطناعي يمنحه قدرة غير محدودة تقريباً على إنتاج شخصيات بديلة لنفسه: القائد العسكري، الملك، البطل الخارق، رجل الأعمال الذي يعيد بناء غزة، أو حتى الرمز المحفور في جبل راشمور إلى جانب رؤساء تاريخيين.

جمهوران مختلفان

الذكاء الاصطناعي يخاطب جمهورين في الوقت نفسه. جمهور المؤيدين يرى في هذه المقاطع خفة ظل وقوة واستفزازاً لخصوم يصفهم بأنهم لا يحتملون المزاح. أما جمهور المعارضين فيراها دليلاً على استهانة بالاحتجاجات وبالخصوم السياسيين، وربما تشجيعاً على خطاب يخلط بين السخرية والعنف الرمزي.

وهنا تكمن فعالية هذه المقاطع. فهي لا تحاول توحيد الجمهور، بل تعمق الانقسام وتستفيد منه. كل غضب من الخصوم يتحول إلى دليل إضافي لدى المؤيدين على نجاح الرسالة. وكل مشاركة ساخطة تزيد انتشار الفيديو. بهذا المعنى، لا يحتاج المقطع إلى أن يكون راقياً أو مقنعاً أو حتى مناسباً لرئيس دولة. يكفي أن ينتشر.

قوة بلا تكلفة

ميزة الذكاء الاصطناعي في هذا النوع من السياسة أنه سريع ورخيص ولا يحتاج إلى إنتاج ضخم. يمكن خلال ساعات صناعة مشهد كان يتطلب سابقاً فريق تصوير ومؤثرات واستوديوهات. وبالنسبة إلى شخصية سياسية تعيش على سرعة التفاعل، هذه ميزة هائلة. لا حاجة إلى انتظار إعلان تلفزيوني رسمي، ولا إلى حملة مدفوعة كبيرة. يكفي مقطع واحد على "تروث سوشال"، ثم تتكفل المنصات والصحف والغضب الجماعي بالباقي.

لكن هذه السرعة تحمل مشكلة أيضاً. فكلما سهل إنتاج الصورة، ضعفت الحدود بين المزاح والدعاية، وبين السخرية والتحريض، وبين الخيال والتلاعب. وإذا كان رئيس دولة يستخدم صوراً اصطناعية عن نفسه وخصومه، فإن السؤال لا يعود تقنياً فقط، بل أخلاقياً وسياسياً: من يضع حدود الخيال عندما يصبح الخيال جزءاً من السلطة؟

سلاح التشويش

لا يبدو أن الهدف من هذه المقاطع هو الإقناع العقلاني. هي أقرب إلى سلاح تشويش. تجعل الخصم يرد على شيء سخيف، وتدفع الإعلام إلى تغطيته، وتمنح المؤيدين مادة سهلة للمشاركة. وفي الوقت نفسه، تضع الرسائل الجدية في الخلفية. فبدلاً من مناقشة مطالب المتظاهرين، تصبح القصة عن فيديو الملك والطائرة والسائل البني.

هذه ليست مصادفة. إنها جزء من أسلوب سياسي يعرف أن دورة الأخبار الحديثة قصيرة، وأن الصورة الصادمة قد تهزم التقرير الطويل. والذكاء الاصطناعي يجعل إنتاج هذه الصور أسهل وأسرع وأكثر غرابة.