50 ملياراً في البيت الأبيض.. تبرع أم صفقة

بينما كان يُفترض أن تكون تجديدات قاعة "البيت الأبيض" الفاخرة لفتةً وطنيةً للتاريخ، تحولت في نظر الرأي العام والدوائر الرقابية إلى "متاهة مالية" غير مسبوقة. فمع تدفق مليارات الدولارات في شكل عقود حكومية جديدة للشركات التي ساهمت في تمويل المشروع، أصبح السؤال الذي يتردد في أروقة واشنطن ليس فقط عن جمالية القاعة، بل عن الثمن الحقيقي الذي دُفع وراء الكواليس. هل نحن أمام مشروع وطني طموح، أم أمام أكبر "صفقة" في تاريخ التبرعات الرئاسية؟

أظهر تقرير حديث صادر عن مجموعة الرقابة "ببليك سيتيزن" (Public Citizen) أن الشركات التي تبرعت لمشروع قاعة البيت الأبيض، والذي تبلغ تكلفته 400 مليون دولار، قد حصلت على أكثر من 50 مليار دولار في شكل عقود حكومية جديدة أو موسعة خلال الأشهر الستة التي تلت بدء أعمال الهدم في الجناح الشرقي. ويشير التقرير إلى أن هذه العقود ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من الجدل حول تضارب المصالح الذي لاحق هذا المشروع منذ لحظة انطلاقه.

تحليل التبرعات

قام التقرير بفحص 27 متبرعاً من الشركات المعروفة للمشروع، حيث كشف التحليل أن 14 منها قد حصلت بالفعل على عقود حكومية ضخمة. وقد تصدرت شركة "لوكهيد مارتن" العملاقة للصناعات الدفاعية قائمة المستفيدين بحصولها على حوالي 43.8 مليار دولار، تلتها شركتا "بوز ألن هاميلتون" و"بالانتير". ورغم أن بعض هذه الشركات قد تكون حصلت على العقود بغض النظر عن تبرعها، إلا أن المحللين يرون أن مجرد التساؤل عن "مقابل التبرع" يضرب في صميم مشروعية العملية التعاقدية.

لا تتوقف القضية عند العقود الممنوحة، بل تمتد إلى وجود قضايا قانونية عالقة لـ 16 من أصل 27 متبرعاً، تواجه تحقيقات فيدرالية أو مراجعات اندماج ومكافحة احتكار من قبل إدارة ترامب. ويشير الخبراء إلى حالة شركة "نكست إيرا إنيرجي" كمثال توضيحي، حيث تسعى الشركة للحصول على موافقات فيدرالية لاندماج ضخم في وقت كانت فيه من ضمن المتبرعين للمشروع الرئاسي، مما يضع نزاهة القرار الفيدرالي أمام اختبار صعب.

تبرير البيت الأبيض

في المقابل، أكد البيت الأبيض أن هذه التبرعات تأتي في إطار جهود وطنية للمساهمة في تحسين الممتلكات العامة. وأشار المتحدث باسم البيت الأبيض، ديفيس إنجل، إلى أن منتقدي المشروع يروجون لادعاءات زائفة بتضارب المصالح، مؤكداً أن الشركات المتبرعة تمثل نخبة الشركات الأمريكية السخية التي تهدف لتطوير "بيت الشعب" للأجيال القادمة، معتبراً أن المعارضة المستمرة للمشروع تعود لأسباب سياسية بحتة.

تستخدم التبرعات عبر "صندوق النصب التذكاري الوطني" (Trust for the National Mall)، وهي آلية كانت مخصصة تاريخياً للحدائق العامة، لكن المنتقدين يصفون استخدامها لتمويل مشروع بناء رئاسي ضخم بأنه سوء استخدام قانوني وتحويل للمؤسسة إلى "كرة قدم سياسية". ومع استمرار التحديات القانونية أمام المحاكم حول عدم حصول المشروع على موافقة الكونجرس، لا يزال الغموض يكتنف حجم التبرعات الفردية، خاصة مع سماح العقود لبعض المتبرعين بالبقاء مجهولي الهوية.