معركة في واشنطن على الذكرى الـ 250 لاستقلال أمريكا

بينما كان من المفترض أن تكون الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة يوماً للوحدة الوطنية وتكريم الإرث التاريخي، تحولت الفعاليات إلى ساحة صراع محتدمة؛ حيث تداخلت طموحات الإدارة في إعادة صياغة الهوية الوطنية مع موجة انسحابات فنية وتجاذبات أمنية وسياسية غير مسبوقة.

في هذا الصيف الاستثنائي من عام 2026، تبرز تساؤلات حادة في الأوساط السياسية والثقافية الأميركية: هل تنجح رؤية الرئيس دونالد ترامب في استعادة «الفخر الوطني»، أم أن صبغ هذه المناسبة التاريخية بطابع شخصي يفرغها من جوهرها الجامع ويحولها إلى مجرد أداة لاستقطاب القواعد الجماهيرية وتصفية الحسابات مع الخصوم؟

رهان التاريخ

تمثل الذكرى الـ250، التي توافق الرابع من يوليو 2026، المحطة التاريخية الأهم في مسيرة الولايات المتحدة المعاصرة؛ إذ يُنظر إليها كاحتفال بمرور قرنين ونصف من "الرحلة السياسية العظمى" التي انطلقت مع توقيع وثيقة الاستقلال عام 1776.

وفي هذا الإطار، سعت منظمة "Freedom 250" – وهي جهة غير ربحية ترتبط بشكل وثيق بإدارة الرئيس ترامب – إلى الترويج لهذا التاريخ عبر رزنامة فعاليات ضخمة، تضمنت متاحف متنقلة صُممت لتجوب 48 ولاية، مع تركيز مكثف على إبراز "الروح الوطنية" وإرث الأبطال الأميركيين من مختلف الخلفيات التاريخية والاجتماعية.

صدام الفن

في تحول دراماتيكي، أعلن الرئيس دونالد ترامب يوم الخميس عن تنظيم تجمع جماهيري في واشنطن في 24 يونيو الجاري، مؤكداً في الوقت ذاته إلغاء سلسلة الحفلات الموسيقية التي كانت مقررة كجزء أساسي من الاحتفالات.

جاء هذا القرار عقب موجة انسحابات جماعية من فنانين بارزين، أمثال مارتينا ماكبرايد، و"ذا كومودورز"، و"بريت مايكلز"، الذين اتخذوا قرارهم بعد اكتشاف أن الحدث، الذي تم تقديمه لهم في البداية على أنه "غير حزبي"، بات مرتبطاً بشكل عضوي بتحالفات سياسية تدعم الرئيس.

وتعثر البرنامج الاحتفالي في "مركز كينيدي" بعد انسحاب ستة فنانين من أصل تسعة، وهو ما دفع ترامب، لشن هجوم لاذع عبر منصته "تروث سوشال" قائلاً: «لا نريد مغنين لا يملكون موهبة، بل مجرد أسعار تذاكر باهظة تصيبك بالنعاس، طلبنا منهم جميعاً أن يبقوا في منازلهم».

وفي المقابل، يرى المنتقدون أن الإدارة تتعمد إعادة صياغة الاحتفالات لتتوافق مع أولويات حركة "ماغا" (اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى)، مستشهدين بمقترحات مثيرة للجدل مثل سك عملة معدنية بقيمة 250 دولاراً تحمل صورة ترامب.

معايير الشفافية

وفي سياق متصل، أثارت ممارسات جمع التبرعات لمنظمة "Freedom 250" انتقادات واسعة وتساؤلات حول معايير الشفافية، مما دفع عدداً من المشرعين الأميركيين البارزين إلى التحرك.

برز في هذا الإطار النائب آدم شيف، وهو عضو مجلس النواب الأميركي والمدعي الفيدرالي السابق الذي يشتهر بدوره الرقابي الحازم، حيث طالب مع مجموعة من زملائه بفتح تحقيقات رسمية للتأكد من عدم وجود مقايضات غير مشروعة بين التبرعات الضخمة والنفوذ السياسي، معتبراً أن هذه الممارسات تعد انتهاكاً صارخاً لروح الشفافية التي يجب أن تسود الاحتفالات الوطنية.

وانضمت إلى هذه المطالبات السناتورة إليزابيث وارن، وهي السناتورة الأميركية عن ولاية ماساتشوستس والأكاديمية السابقة المتخصصة في قانون الإفلاس وحماية المستهلك؛ حيث شددت في موقفها على ضرورة كشف النقاب عن أي امتيازات خاصة قد تُمنح للمانحين الكبار مقابل دعمهم المالي، مؤكدة على أهمية صون النزاهة في الفعاليات العامة التي تحمل طابعاً وطنياً.

استعراض السلطة

تجاوز الجدل حدود إلغاء الحفلات؛ إذ يسعى الرئيس لترك بصمة استثنائية عبر تنظيم منافسات فنون قتالية (UFC) في 14 يونيو وهو تاريخ ميلاده الثمانين، على حلبة شيدت خصيصاً في حديقة البيت الأبيض.

وفيما أوضح ترامب أن تجمعه المرتقب سيعتمد على "أعظم الموسيقى الوطنية" بوجود المغني لي غرينوود، صاحب أغنية «ليبارك الله الولايات المتحدة الأميركية»، واجهت فعالية الفنون القتالية انتقادات واسعة من شخصيات عامة ومراقبين، منهم جو روغان، المعلق الرياضي الشهير ومقدم البرامج الحوارية واسع الانتشار، الذي حذر من أن تحويل حديقة البيت الأبيض إلى ساحة لبطولة فنون قتالية ليس مجرد استعراض، بل هو "حيلة دعائية" تثير مخاوف أمنية وتفرغ المكان من وقاره التاريخي.

كما أثار الكشف عن وثائق داخلية تطلب من الجنود المشاركة في هذه الفعاليات بزيّهم الرسمي وتحمل تكاليف سفرهم الشخصي حالة من التململ؛ حيث أشار خبراء استراتيجيون وأكاديميون عسكريون إلى أن هذا التوجه يطرح تساؤلات جوهرية حول الحدود الفاصلة بين التوظيف الوطني للمؤسسة العسكرية وبين استغلالها في فعاليات ذات صبغة سياسية أو شخصية، وهو ما يضع قيادة الجيش أمام تحدٍ أخلاقي وقانوني يتعلق بالحياد المؤسسي.

انقسام الهوية

تعكس هذه الأحداث صراعاً أعمق حول معنى "الاحتفال بأميركا" في العصر الحديث. ففي حين يرى أنصار الرئيس ترامب في هذه الفعاليات استعادة "للفخر الوطني" وشكلاً جديداً من الاستعراض الذي يكسر قوالب النخبة السياسية التقليدية، يرى المعارضون أن ربط المناسبات الوطنية بشخص الرئيس أو أجندة حركته يحولها إلى أداة استقطاب حادة.