أمريكا أكثر أماناً.. إنجازات ترامب تضيع في ضباب السياسة

لا تكفي الأرقام في السياسة الأمريكية لتغيير القصة، فثمة دائماً من يُعيد كتابتها بما يخدم مصلحته. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم مع ملف الجريمة، الذي تحوّل من سلاح في يد الجمهوريين إلى ورقة محرجة تستدعي إعادة ترتيب المواقف، وذلك مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في نوفمبر 2026.

كشفت بيانات رابطة رؤساء المدن الكبرى الأمريكية، المستقاة من 67 وكالة لإنفاذ القانون، أن الربع الأول من عام 2026 شهد تراجعاً لافتاً في مؤشرات الجريمة العنيفة مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي؛ إذ هوت جرائم القتل بنسبة 17.7%، وعمليات السطو بنسبة 20.4%، فيما تراجعت الاعتداءات الخطيرة بنسبة 4.8%، وحالات الاغتصاب بنسبة 7.2%. واللافت أن هذه الانخفاضات تشمل جميع مناطق البلاد دون استثناء.

وتصدّرت واشنطن العاصمة المشهد بتراجع مذهل في الجرائم العنيفة بلغ 64.7%، تبعتها فيلادلفيا بنسبة 54%، وسان دييغو بنسبة 50%، فيما سجّلت نيويورك وهيوستن وممفيس انخفاضات تراوحت بين 31% و36%.

مستنقعات جريمة

يتذكر المتابع للشأن الأمريكي أن الرئيس ترامب بنى جزءاً كبيراً من خطابه الانتخابي عام 2024 على تصوير المدن الكبرى التي يحكمها الديمقراطيون بوصفها مستنقعات للجريمة والفوضى. بل ذهب أبعد من ذلك حين أرسل قوات فيدرالية إلى شيكاغو وواشنطن وممفيس وعدد من مدن كاليفورنيا في عام 2025، مستنداً إلى ملف الجريمة مبرراً وذريعة.

أما اليوم، فثمة مفارقة لا تخطئها عين؛ الأرقام ذاتها التي كانت تنفيها إدارة ترامب أو تتجاهلها، باتت تُروّج لها اليوم وتنسب الفضل فيها إلى سياساتها. وهو تحوّل كشف عنه المراقبون بوضوح؛ فحين أظهرت بيانات مبكرة هبوطاً قياسياً في الجريمة، غيّرت الإدارة لهجتها فوراً من التهديد إلى إعلان الانتصار.

والأشد إحراجاً في المشهد كله أن مدينة أورورا بولاية كولورادو، التي جعلها ترامب رمزاً لما وصف بـ«غزو المهاجرين الفنزويليين»، وأعاد ذكرها مراراً في خطبه ومناظراته قبيل انتخابات 2024، وهي اتهامات ثبت أنه مبالغ فيها أو مكذوبة كلياً، حققت أكبر انخفاض في جرائم القتل بين مدن البلاد بنسبة بلغت 66.7%، وهي مفارقة ستُذكر طويلاً في سجل الخطاب السياسي الأمريكي.

الانتخابات النصفية

في نوفمبر 2026، سيتوجّه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع لتجديد أعضاء مجلس النواب كاملاً، وثلث مجلس الشيوخ. وفي كل انتخابات نصفية تقريباً منذ عقود، يدفع الحزب الحاكم ثمن مراكمة المظالم الشعبية، إذ تُشكّل هذه الانتخابات عادةً فرصة للناخبين لمعاقبة الرئيس أو مكافأته، ما يجعل السيطرة على السردية الإعلامية أمراً مصيرياً.

وملف الجريمة تحديداً يحتل مرتبة متقدمة في سلّم القلق لدى الناخب الأمريكي العادي، وقد نجح الجمهوريون في توظيفه بفاعلية في انتخابات 2022 و2024. غير أن البيانات الجديدة تُعقّد هذه المعادلة؛ فالديمقراطيون يجدون اليوم في الأرقام ما يدعم رواية مفادها أن المدن التي يقودونها باتت أكثر أماناً، في حين يسعى الجمهوريون إلى إعادة صياغة الانتصار بوصفه ثمرةً لسياسات ترامب الأمنية.

ومع ذلك، لا تعني هذه الانخفاضات المبهجة اختفاء المشكلة كلياً؛ فمدن كمينيابوليس وأتلانتا لا تزال تسجّل ارتفاعاً في بعض فئات الجريمة، كما يُنبّه قادة الشرطة إلى أن الصيف موسم تاريخي لارتفاع معدلات العنف في المدن الأمريكية. وقد حذّرت مدينة دنفر مؤخراً من موجة جرائم متوقعة مع اقتراب الأشهر الحارة.