قمة ترامب شي الأربعاء.. هل تحدد وجهة النظام العالمي؟

تتجه أنظار العالم هذا الأسبوع إلى بكين، حيث يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في قمة توصف بأنها واحدة من أكثر اللقاءات حساسية وتأثيراً على مستقبل النظام العالمي، وسط ملفات ملتهبة تمتد من الحرب في إيران إلى التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان.

ورغم أن سقف التوقعات لا يشير إلى اختراقات كبرى، فإن القمة المرتقبة قد تحدد شكل العلاقة المقبلة بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة.

القمة، التي تستمر يومين في العاصمة الصينية، تأتي بعد أشهر من هدنة تجارية هشة تم التوصل إليها خلال لقاء الزعيمين الأخير في كوريا الجنوبية، حين اتفق الطرفان على وقف التصعيد في الحرب التجارية التي شهدت فرض واشنطن رسوماً جمركية ضخمة على السلع الصينية، مقابل تهديد بكين بتقييد صادرات المعادن النادرة الحيوية للصناعات العالمية.

لكن المشهد العالمي تغيّر كثيراً منذ ذلك الحين، فالولايات المتحدة أصبحت غارقة في تداعيات الحرب مع إيران، الحليف الاستراتيجي للصين في الشرق الأوسط، وهي الحرب التي فجّرت أزمة طاقة عالمية واستنزفت جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية والذخائر الأميركية، ما أثار تساؤلات داخل الأوساط الصينية حول قدرة واشنطن على حماية تايوان في حال اندلاع مواجهة مستقبلية.

في المقابل، يواجه شي جين بينغ ضغوطاً اقتصادية داخلية متزايدة، تشمل تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات ركود عالمي قد يهدد الاقتصاد الصيني المعتمد بقوة على الصادرات.

وبحسب مسؤولين أميركيين، ستدفع واشنطن خلال القمة نحو ما يُعرف بـ"الخمسة B" وتشمل: شراء الصين لطائرات بوينغ، استيراد اللحوم الأميركية وفول الصويا، إنشاء مجلس للاستثمار، إنشاء مجلس للتجارة.

وتهدف هذه المبادرات إلى خلق مساحات تعاون اقتصادي لا تمس ملفات الأمن القومي الحساسة، وفي المقابل، تركز بكين على ما تسميه "الثلاثة T"، وتشمل : الرسوم الجمركية، التكنولوجيا، تايوان.

ومن المتوقع أن تضغط الصين لتمديد الهدنة التجارية الموقعة العام الماضي، إلى جانب تخفيف القيود الأميركية على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة التي تحتاجها بكين لتطوير صناعاتها التكنولوجية.

كما يُنتظر أن يطالب شي جين بينغ الإدارة الأميركية بتقليص دعمها لتايوان، التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

أزمة الطاقة

ومن الملفات البارزة أيضاً، سعي ترمب لإقناع الصين بالضغط على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف أزمة الطاقة العالمية، كما ستناقش القمة التعاون بين البلدين في إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، في ظل تسارع المنافسة التكنولوجية العالمية والمخاوف المتزايدة من استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية.

ومن المتوقع كذلك أن يثير ترمب قضية الناشط الديمقراطي في هونغ كونغ جيمي لاي، الذي حُكم عليه بالسجن 20 عاماً بتهم تتعلق بالتواطؤ والتحريض، إضافة إلى ملفات أخرى تشمل: التوسع النووي الصيني، أمن بحر الصين الجنوبي، مكافحة تهريب مادة الفنتانيل إلى الولايات المتحدة.

اتفاق تاريخي

ورغم أهمية القمة، يرى محللون أن فرص التوصل إلى اتفاق تاريخي تبقى محدودة، في ظل عمق الخلافات الاستراتيجية بين البلدين.

ويرجح أن تخرج القمة بتفاهمات محدودة تتعلق بالاستثمارات وتمديد الهدنة التجارية، دون معالجة جذرية للنزاعات الكبرى.

ويقول خبراء إن اللقاء يمنح الطرفين فرصة «لكسب الوقت» بينما يعمل كل منهما على تقليل اعتماده الاقتصادي والتكنولوجي على الآخر، في ظل تصاعد الشكوك المتبادلة.

ماذا لو فشلت القمة؟

الملف الإيراني قد يتحول إلى أكبر تهديد لمسار المفاوضات، خصوصاً بعد الانتقادات الصينية الأخيرة لما وصفته بكين بـ«العودة إلى شريعة الغاب» في العلاقات الدولية، في إشارة غير مباشرة إلى السياسة الأميركية.

ورغم تشجيع الصين لإيران على التفاوض، فإنها امتنعت حتى الآن عن لعب دور مباشر لإنهاء الحرب، معتبرة أن الأزمة في جوهرها مشكلة أميركية.

وفي الوقت نفسه، يواصل الطرفان تعزيز أدوات الحرب الاقتصادية. فبعد فرض واشنطن عقوبات على مصفاة صينية بسبب شراء النفط الإيراني، ردت بكين بإصدار تعليمات لشركاتها بعدم الالتزام بالعقوبات الأميركية، ومنحت سلطاتها صلاحيات أوسع للتحقيق مع الشركات والحكومات الأجنبية.

وبين التصعيد والتهدئة، تبدو قمة بكين اختباراً جديداً لقدرة واشنطن وبكين على إدارة أخطر علاقة سياسية واقتصادية في العالم، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل النظام الدولي بالكامل.