أكملت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أمس، 60 يوماً، ما يفتح النوافذ لجدل قانوني يتعلق بمدى قدرة الرئيس الأمريكي دستورياً على مواصلة «عمل عسكري» ما بعد انقضاء هذه المدة، في حين تتسم غالباً آراء النواب والسياسيين الأمريكيين تجاه مهلة الـ60 يوماً بانقسامات عميقة لا تتبع دائماً الخطوط الحزبية التقليدية، بل تخضع لتوازنات القوى وصراع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة.
وبهذا الصدد يمثل «قرار سلطات الحرب» الصادر عام 1973 حجر الزاوية في هذا النزاع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وفي الوضع الحالي، تبرز ثلاثة اتجاهات قانونية إزاء استمرار العملية العسكرية ضد إيران.السلطة الحصرية الأول يتبنى تفسيراً حرفياً، حيث يرى أنصاره، وهم غالباً من فقهاء القانون الدستوري وأعضاء الكونغرس المتمسكين بالمادة الأولى من الدستور، أن السلطة الحصرية لإعلان الحرب ومنح تفويض القتال تعود للشعب عبر ممثليه.
حجة قانونية
وهذا الاتجاه يمسك بحجة قانونية ترى في مهلة الـ60 يوماً «ساعة توقيت» دستورية لا تقبل التأويل؛ إذ إنه بمجرد انتهائها من دون تفويض صريح، يصبح وجود القوات في حالة قتالية «غير قانوني ومخالفاً للدستور». وفي هذه الحالة ينبغي للرئيس سحب القوات فوراً، وأي محاولة للالتفاف على ذلك تعد تجاوزاً خطيراً يؤدي إلى أزمة دستورية قد تصل إلى حد المطالبة بمساءلة الرئيس.في الكونغرس، يضم هذا الاتجاه نواباً من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي وجناح «الحريات» في الحزب الجمهوري، ويشكل جبهة برلمانية ترى أن قرار سلطات الحرب ليس مجرد نص تنظيمي، بل هو حائط صد ضد «الرئاسة الإمبراطورية».
الدستور
ويشدد هؤلاء السياسيون، مثل النائب رو خانا والسيناتور راند بول، على أن أي طلقة تُطلق بعد اليوم الستين من دون تصويت صريح في الكابيتول هيل تُعد انتهاكاً للدستور، محذرين من أن التغاضي عن هذه المدة سيجعل من الرئيس «ملكاً» يملك سلطة إعلان الحروب منفرداً، وهو ما ينسف جوهر النظام الجمهوري الأمريكي.تفسير تنفيذي ويتبنى الاتجاه الثاني تفسيراً تنفيذياً تحت عنوان «صلاحيات القائد العام»، حيث تتبنى الإدارات المتعاقبة (سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية) وجهة نظر ترى أن «قرار سلطات الحرب» قد يكون غير دستوري في جوهره لأنه يقيد قدرة الرئيس على حماية الأمن القومي.
الحجة القانونية لهذا الاتجاه هي المادة الثانية من الدستور التي تمنح الرئيس سلطة «القائد العام»، وهي سلطة لا يمكن للكونغرس تقييدها بمدد زمنية إذا كانت هناك ضرورة عسكرية ملحة أو دفاع عن النفس.
الأعمال العدائية
وغالباً ما تلجأ الإدارات إلى تعريف «الأعمال العدائية» على نحو ضيق؛ فإذا كانت الحرب تقتصر على ضربات جوية أو طائرات مسيرة من دون وجود قوات برية في اشتباك مباشر، يجادل القانونيون التابعون للبيت الأبيض بأن المهلة القانونية لا تنطبق أصلاً لأن الدولة ليست في حالة «حرب شاملة».وتبرز جبهة «الصقور» وخبراء الأمن القومي من كلا الحزبين ضمن هذا الاتجاه،
حيث يجادلون بأن التمسك بجدول زمني جامد في خضم صراع عسكري معقد يمنح الخصم تفوقاً استراتيجياً هائلاً. ويرى سياسيون مثل السيناتور توم كوتون أو بعض القيادات الديمقراطية في لجان القوات المسلحة، أن تقييد يد الرئيس بمهلة الستين يوماً في مواجهة تهديدات حيوية، كتهديد الممرات المائية أو المنشآت الحيوية، يعد «انتحاراً سياسياً».
الحجة القانونية هنا أن الدستور في مادته الثانية منح الرئيس سلطات تقديرية واسعة كقائد عام، وأن «قرار سلطات الحرب» نفسه قد يكون غير دستوري لأنه يقيد قدرة الدولة على الردع السريع، وبالتالي يطالب هؤلاء بمنح الرئيس تفويضاً مفتوحاً أو مرناً يمتد لما بعد الستين يوماً لضمان عدم إرسال إشارات ضعف للطرف الآخر.
الواقعية والتمويل
أما الاتجاه الثالث فهو يتبنى الواقعية السياسية والتمويل المالي. ويركز هذا الرأي على الجانب العملي بعيداً عن الجدل النظري، معتبراً أن «سلطة المحفظة» هي الفيصل الحقيقي.
والحجة القانونية لهذا الاتجاه أنه حتى لو اعترض الكونغرس قانونياً على استمرار الحرب، فإن استمراره في تمويل العمليات العسكرية عبر الميزانية يُعد «موافقة ضمنية» على بقاء القوات، والنتيجة أن الرئيس الأمريكي لا يستطيع مواصلة العمليات عسكرياً إذا قرر الكونغرس قطع التمويل عن تلك المهمة تحديداً، وهي الأداة الأكثر فعالية لإنهاء أي نزاع يتجاوز المدة المحددة.
كتلة «الواقعيين» هنا تحاول إيجاد مخرج سياسي يجنب البلاد أزمة دستورية. وهؤلاء يركزون على أن المشكلة ليست في عدد الأيام، بل في «التمويل». ويرى هذا الفريق أن استمرار الكونغرس في تمرير ميزانيات الدفاع من دون وضع قيود صريحة على العمليات الجارية يُعد قبولاً بالأمر الواقع، وحتى لو ارتفعت الأصوات بالمعارضة اللفظية.
كما يبرز دور قادة الأغلبية والأقلية في مجلسي النواب والشيوخ الذين يفضلون غالباً صياغة تفويضات عسكرية جديدة تكون «مفصلة» على مقاس العملية العسكرية، بحيث تمنح الرئيس الشرعية القانونية لمواصلة القتال مع فرض آليات رقابة دورية، وذلك لتفادي الصدام المباشر مع البيت الأبيض، ما قد يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرار العسكري في لحظات حرجة.
منطقة رمادية
في مراكز الأبحاث القريبة من القرار السياسي، مثل «مجلس العلاقات الخارجية» أو «معهد بروكينغز»، ينظر سياسيون سابقون وفقهاء قانونيون لهذا المأزق باعتباره «منطقة رمادية» مقصودة، إذ إن المشرعين غالباً ما يفضلون عدم التصويت الصريح على الحرب للهروب من المسؤولية أمام الناخبين في حال فشلها، بينما يفضل الرؤساء المضي قدماً في العمليات معتمدين على «شرعية الضرورة».
هذا التواطؤ المبطن بين بعض النواب والبيت الأبيض سمح تاريخياً بتجاوز مدد الستين يوماً في نزاعات سابقة، حيث تم الاكتفاء بتقديم تقارير دورية للكونغرس من دون الحاجة لتصويت رسمي، ما دام هناك توافق سياسي عريض على أهداف المعركة الاستراتيجية.
وبينما يضع القانون قيداً زمنياً واضحاً، تظل الثغرات القانونية المتعلقة بتعريف «الاشتباك» وقوة الصلاحيات الرئاسية في حالات الطوارئ هي المنافذ التي قد تسمح للرئيس بالمواصلة، ما لم يتخذ الكونغرس موقفاً حازماً بوقف التمويل أو إصدار قرار ملزم بالانسحاب.
