مفاعل نووي يصنع الحياة.. "أبراهام لينكولن" تحول مياه المحيط إلى ماء عذب


في قلب المحيطات، حيث يصبح الماء العذب أثمن من أي مورد آخر، تتحول مياه البحر على متن حاملة الطائرات الأمريكية إلى ما يشبه "الذهب". ليس ذهباً حقيقياً، بل مورداً حيوياً لا غنى عنه لبقاء آلاف البحارة على قيد الحياة. فبفضل الطاقة النووية وتقنيات التحلية المتقدمة، تُنتج السفينة يومياً كميات هائلة من المياه النقية، لتصبح كل قطرة منها ذات قيمة تعادل الذهب في بيئة معزولة وسط البحر.

وتعمل حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن (سي في إن-72)» كمدينة عائمة مكتفية ذاتيًا، قادرة على البقاء في عرض البحر لفترات طويلة دون الحاجة إلى التزود بالمياه أو الإمدادات التقليدية. ويكمن السر في مفاعليها النوويين من طراز «إيه-4 دبليو»، اللذين يولدان طاقة حرارية هائلة عبر تفاعلات انشطار نووي مُحكمة وآمنة. تُستخدم هذه الطاقة ليس فقط لدفع السفينة، بل أيضاً لتشغيل أنظمة حيوية مثل تحلية مياه البحر. وبفضل هذا المصدر المستمر من الطاقة، تستطيع الحاملة إنتاج كميات ضخمة من المياه العذبة يوميًا، ما يضمن استدامة العمليات واستقلالية الطاقم في مختلف الظروف البحرية.

تقنية التقطير

تعتمد السفينة على تقنية التقطير متعدد المراحل، حيث يتم خفض درجة غليان الماء باستخدام الضغط المنخفض، ما يسمح بتحويل مياه البحر إلى بخار بكفاءة عالية وباستهلاك طاقة أقل مقارنة بالغليان التقليدي. بعد ذلك، يُنقل البخار إلى مراحل تكثيف متتالية ليعود ماءً نقيًا للغاية، خاليًا من الأملاح والشوائب. وتعمل هذه العملية بشكل مستمر ومنظم، محاكيةً دورة طبيعية مصغّرة داخل السفينة، تضمن إنتاج كميات كبيرة من المياه العذبة يوميًا لتلبية مختلف الاحتياجات.

400 ألف جالون

تنتج الحاملة يوميا ما يقارب 400 ألف جالون من المياه العذبة، وهي كمية تكفي لتلبية احتياجات آلاف الأشخاص على متنها. ولا يقتصر استخدام هذا الماء على الشرب فقط، بل يُقسّم إلى عدة أنواع، منها ماء عالي النقاء يُستخدم في تشغيل المفاعلات، وماء مخصص للاستخدام اليومي للطاقم، إضافة إلى مياه تُستخدم في صيانة الطائرات وتنظيفها من آثار الملح.

5000 بحار

ورغم أن الماء المقطر الناتج عن عملية التحلية يتميز بدرجة نقاء عالية جداً، إلا أنه يفتقر إلى الطعم الطبيعي بسبب خلوّه من المعادن الأساسية التي يحتاجها الجسم. لذلك، يعمل الفنيون على إعادة توازن مكوناته عبر إضافة نسب دقيقة من العناصر المعدنية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم. هذه الخطوة لا تحسّن المذاق فقط، بل تضمن أيضاً بقاء أكثر من 5000 بحار بصحة جيدة وترطيب مستمر خلال فترات الخدمة الطويلة في عرض البحر، وفقا لموقع"wionews".

ولا تقتصر أهمية هذه التقنية المتقدمة على الاستخدامات العسكرية فحسب، بل تمتد آثارها لتشمل الجانب الإنساني بشكل واسع وفعّال. ففي أوقات الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل أو التسونامي أو الأعاصير، تستطيع السفينة إنتاج وتوفير كميات ضخمة من المياه العذبة بشكل فوري. هذا يجعلها قادرة على دعم المجتمعات المنكوبة، لتتحول فعلياً من آلة حرب إلى مصدر حياة وإنقاذ حقيقي في أحلك الظروف.