صدّق أو لا تصدق.. الديمقراطيون أول معارضي دعوات عزل ترامب

في مفارقة لافتة، باتت قيادة الحزب الديمقراطي نفسها أكبر عائق أمام دعوات عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم تصاعد الدعوات والضغوط الشعبية والحزبية في أعقاب حرب إيران وتهديداته بـ"محو حضارة بأكملها".

وعلى مدى أشهر، كان الديمقراطيون في الكونغرس يتحاشون الإجابة حين يُسألون عن عزل ترامب. غير أن حرب إيران كسرت هذا الصمت، فتقدّم عشرات المشرّعين هذا الأسبوع بدعوات صريحة لإنهاء ولايته الثانية إما عبر المساءلة المفضي للعزل (الإمبيتشمنت) أو عبر التعديل الخامس والعشرين من الدستور. لكنّ قيادة الحزب تتمسك بالتريّث. وحين سُئل زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز عن هذه الدعوات، قال ببساطة: "لا أريد أن أتسرع في هذا النقاش"، مضيفاً أنه إن سلك الحزب هذا الطريق فـ"يجب أن يكون ذلك بطريقة مدروسة"، بحسب مجلة "تايم".

حسابات انتخابية

السبب الحقيقي وراء هذا التحفظ ليس دفاعاً عن ترامب، بل هو حسابات انتخابية باردة، حيث يرى قادة الحزب أن المعركة الحقيقية في انتخابات التجديد النصفي المقبلة يجب أن تُخاض على ملفَّي الأسعار والفساد، لا أن تتحوّل إلى معركة عزل محكوم عليها بالفشل مسبقاً لغياب الأصوات الكافية.

بلغة الأرقام الواضحة؛ يفتقر الديمقراطيون إلى الأغلبية في مجلسَي الكونغرس، ولا يبدو في الأفق أي مشرّع جمهوري مستعد للمجازفة بمستقبله السياسي بالانضمام إلى مسعى العزل، ومصير كل من جرّب ذلك كليز تشيني وآدم كينزينغر لا يزال ماثلاً في الأذهان.

أوهام العزل

في المقابل، يرى فريق من الديمقراطيين المتحمسين أن انتظار الظروف المثالية ترفٌ لا يمكن تحمّله. يقول النائب آل غرين من تكساس، الذي قدّم طلبات عزل متعددة ضد ترامب منذ 2017: "العزل ليس مشروطاً بامتلاك الأغلبية، بل هو وسيلتنا للتعبير عن رفض سلوك الرئيس". ويضيف في إشارة إلى تهديدات ترامب: "هل يقول شخص في كامل قواه العقلية إنه سيمحو حضارة بأكملها؟" ويتابع: "إنه يمتلك السلاح الكافي لفعل ذلك".

أما النائب جون لارسون من كونيتيكت، الذي تقدّم بمقترح عزل قُبيل تهديدات ترامب لإيران، فيقول إنه كان يعدّ لهذه الخطوة منذ أكثر من عام، ويريدها "نموذجاً على محاسبة الديمقراطيين للرئيس"، وإن كان يُقرّ بأن قيادة الحزب أبدت تحفظات واضحة.

الصوت الأكثر موضوعية في هذا النقاش هو النائب جيمي راسكين، أستاذ القانون الدستوري الذي قاد آخر محاكمة عزل لترامب، ويستعد لشرح الخيارات الدستورية المتاحة أمام الكتلة البرلمانية الديمقراطية، يُبادر بتفكيك أوهام العزل بصراحة تامة قائلاً: "لا شك لديّ في وجود مخالفات تستوجب العزل، لكن وجود هذه المخالفات لا يعني أن بمقدورنا المضي قُدماً في مسار المساءلة".

ويختم بعبارة تلخّص المأزق الديمقراطي بأكمله: "العزل ليس دواء شافياً لكل داء، لكن الدستور لا ينبغي أن يكون وثيقة مقدّسة لا تُلمس. يجب أن يظل حاضراً في ذهن كل مشرّع واعٍ حين يواجه انتهاكات جسيمة من رئيس الجمهورية".

شعبية تتراجع

يأتي هذا الجدل الداخلي في سياق يبدو مواتياً للديمقراطيين انتخابياً؛ إذ تتراجع شعبية ترامب إلى مستويات غير مسبوقة، ويرفضه الآن واحد من كل خمسة جمهوريين. وفي آخر انتخابات فرعية بولاية جورجيا، حقق الديمقراطيون تقدماً مذهلاً بفارق 25 نقطة عن نتائج العام الماضي.

ويبدو أن القيادة الديمقراطية تراهن على أن تحويل هذا الزخم إلى أغلبية في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي سيكون أجدى وأنجع من معركة عزل محسومة النتيجة سلفاً.