«خطاب حالة الاتحاد».. سردية الإنجاز وتشكيك الديمقراطيين

ترامب ينظر إلى نائبه جيه. دي. فانس ورئيس مجلس النواب مايك جونسون أثناء إلقائه خطاب حالة الاتحاد
ترامب ينظر إلى نائبه جيه. دي. فانس ورئيس مجلس النواب مايك جونسون أثناء إلقائه خطاب حالة الاتحاد

خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فجر أمس، أظهر أن الانقسام في الولايات المتحدة لا يقتصر على التوجهات السياسية فحسب، بل امتد ليكون صراعاً حول مفهوم «القيادة الأمريكية» في نظام دولي مضطرب.

وقوبل الخطاب باستهجان من قادة الحزب الديمقراطي الذين اعتبروا أنه يحمل نبرة «انعزالية هجومية»، وركزت ردود أفعالهم على أن تباهي ترامب باستخدام سلاح التعريفات الجمركية لابتزاز الحلفاء والشركاء، مثل الهند، يمثل مقامرة بالأمن القومي مقابل مكاسب انتخابية ضيقة، محذّرين من أن هذه السياسة ستؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف جبهة أمريكا في مواجهة الخصوم، عبر دفع القوى الناشئة للبحث عن بدائل للنظام المالي الأمريكي.

وتعكس ردود الفعل الحادة تجاه الخطاب مستوى الاستقطاب السياسي القائم بين الحزبين، إذ اعتبرت حاكمة فرجينيا الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، أن الإدارة الجمهورية قدمت صورة للاقتصاد لا تعكس معاناة الأمريكيين اليومية، وبخاصة في ما يتعلق بتكاليف المعيشة والرعاية الصحية، واتهمت الرئيس الأمريكي بالمبالغة في عرض الإنجازات وتجاهل التحديات الاجتماعية المتفاقمة.

وفي قاعة الكونغرس، بدت الكتلة الديمقراطية منقسمة بين الحضور الصامت والمقاطعة الجزئية والاحتجاج الرمزي. بعض النواب جلسوا من دون تصفيق، فيما اختار آخرون مغادرة القاعة خلال فقرات تتعلق بالهجرة والأمن.

النائب آل غرين أثار جدلاً واسعاً بعدما رفع لافتة احتجاجية، ما أدى إلى إخراجه من الجلسة، في مشهد التقطته عدسات الإعلام بوصفه انعكاساً مباشراً لحالة التوتر السياسي.

عدد من النواب الديمقراطيين فضّلوا عدم الحضور أصلاً، مبررين ذلك برفضهم «إضفاء شرعية احتفالية» على خطاب يعتبرونه انقسامياً.

شرخ جمهوري

وتكشف ردود أفعال النواب داخل الكونغرس، عن «شرخ» حتى داخل المعسكر الجمهوري؛ فبينما احتفى الجناح الموالي لترامب بما وصفه بـ«استعادة الهيبة الاقتصادية»، أبدى نواب من لجان العلاقات الخارجية والأمن القومي قلقاً من أن الخطاب أغفل تكاليف الصدام مع قوى كبرى كالهند.

ويرى هذا التيار أن الخطاب وضع الولايات المتحدة في مسار تصادمي ليس فقط مع خصومها، بل مع منطق الشراكات التقليدي، ما يفتح الباب أمام مرحلة من «الفوضى المنظمة» في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تصبح التغريدات والتصريحات اللحظية هي الموجّه للقرار، بدلاً من الاستراتيجيات طويلة الأمد.

الصحافة الأمريكية انقسمت بدورها في مقاربتها لخطاب ترامب، حيث ركزت صحف ليبرالية كبرى، مثل واشنطن بوست، على ما وصفته بتناقضات في أرقام النمو والتضخم، ونشرت تحليلات تفصيلية تقارن بين تعهدات الخطاب وبيانات المؤسسات الاقتصادية.

في المقابل، تناولت صحف وشبكات أخرى الحدث من زاوية المشهد داخل القاعة أكثر من مضمون الخطاب نفسه، مسلطة الضوء على لغة الجسد ولحظات الصمت والهتافات المتقطعة.

وأبرزت صحيفة الغارديان في نسختها الأمريكية طابع الاحتجاجات الديمقراطية، معتبرة أن الخطاب تحول إلى ساحة عرض للاستقطاب بدل أن يكون لحظة إجماع وطني تقليدية.

أكثر اتزاناً

أما شبكات عامة مثل PBS وCBS News، فقدمت تغطية أكثر اتزاناً، مركزة على أبرز النقاط التي طرحها ترامب، إلى جانب عرض ردود الفعل الحزبية من دون تبنّي توصيفات حادة، في حين وصفت بعض كبريات الصحف الخطاب بأنه يفتقر للدبلوماسية ويتبنى لغة «المحاسب» الذي يقيس نجاح الدولة بحجم الجبايات الجمركية، لا بمتانة التحالفات الاستراتيجية.

وأشارت التحليلات الافتتاحية إلى أن تركيز ترامب على لغة الأرقام والتهديد بالقطيعة مع الدول التي لا تنصاع لرؤيته بشأن الطاقة، يعكس قصوراً في فهم تعقيدات التوازنات الجيوسياسية، ولا سيّما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث لا يمكن شراء الولاء السياسي بمجرد خفض أو رفع الرسوم.

وبالتالي، يعكس خطاب ترامب وما تلاه من ردود فعل، واقعاً سياسياً أمريكياً مشحوناً، حيث لم يعد خطاب حالة الاتحاد مناسبة جامعة بقدر ما أصبح منصة لإعادة رسم خطوط المواجهة بين الحزبين.

الديمقراطيون سعوا إلى تحويل اللحظة إلى فرصة لإبراز بديلهم السياسي، بينما رأى الجمهوريون أن الرئيس نجح في تثبيت سرديته حول الاقتصاد والأمن.

وبين السرديتين، انشغلت وسائل الإعلام بتفكيك الأرقام والعبارات، في مشهد يؤكد أن المعركة الحقيقية لم تكن فقط تحت قبة الكونغرس، بل أيضاً في فضاء الرأي العام الأمريكي.