تعمل شركة دفاع أمريكية ناشئة تدعى "بلو ووتر أتونومي"، بالتعاون مع مجموعة بناء السفن الهولندية "دامن شيبيارد"، على تطوير جيل جديد من سفن الشحن ذاتية التشغيل، في مشروع يُوصف بأنه النسخة الحديثة من "سفن الحرية" التي لعبت دوراً حاسماً خلال الحرب العالمية الثانية.
خلال الحرب العالمية الثانية، أنتجت الولايات المتحدة أكثر من 2700 سفينة من فئة "ليبرتي" بين عامي 1941 و1945، في واحدة من أكبر عمليات التصنيع البحري في التاريخ، حيث نقلت تلك السفن نحو ثلثي الشحنات العسكرية الأمريكية إلى مسارح العمليات في المحيطين الأطلسي والهادئ، وأسهمت بفعالية في دعم المجهود الحربي.
اليوم، ومع تصاعد التوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ترى واشنطن أن الحاجة تتجدد إلى سفن نقل سريعة الإنتاج وقادرة على العمل لمسافات بعيدة، لكن بروح تكنولوجية مختلفة وهي أنها "ذاتية القيادة".
10 آلاف ميل
أعلنت الشركة الأمريكية، ومقرها بوسطن، أنها تطور سفينة فولاذية بطول 190 قدماً، قادرة على الإبحار لأكثر من 10 آلاف ميل بحري، وتحمل ما يزيد على 150 طناً مترياً من الحمولة. ومن المقرر أن يبدأ العمل على السفينة الأولى الشهر المقبل، على أن تُسلَّم إلى البحرية الأمريكية قبل نهاية العام الجاري.
السفينة الجديدة تعتمد على تصميم بدن سفن “Stan Patrol 6009” من شركة “دامن”، الذي يتميز بمقدمة حادة قادرة على شق الأمواج بكفاءة وتقليل الارتطام، وهو تصميم أثبت نجاحه في أكثر من 300 سفينة حول العالم.
وتوضح الشركة أن تصميم “ليبرتي” الجديد يدعم مجموعة واسعة من المهام، تشمل نقل الصواريخ وأجهزة الاستشعار والمهمات اللوجستية، مع إمكانية إنتاجه فوراً بالاعتماد على أحواض السفن الأمريكية وسلاسل التوريد التجارية القائمة.
أنظمة داخلية
تركز "بلو ووتر أتونومي" على إعادة تصميم الأنظمة الداخلية للسفينة لتناسب التشغيل الذاتي الكامل، مع تزويدها بنظام دفع متحمّل للأعطال يسمح لها بالعمل لفترات طويلة في البحر، قد تمتد إلى شهر كامل، مع تدخل بشري محدود.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، رايلان هاملتون، إن المشروع “مقاربة حديثة لفكرة قديمة”، تقوم على إنتاج سفن قادرة بكميات كبيرة وبوتيرة سريعة، ولكن هذه المرة مدعومة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وأنظمة الملاحة الذاتية.
عودة للجذور
اختيار ولاية لويزيانا لبناء السفن الجديدة يحمل دلالة تاريخية؛ إذ كانت نيو أورلينز أحد المراكز المهمة لإنتاج سفن “ليبرتي” الأصلية خلال الحرب العالمية الثانية، كما شهدت تصنيع زوارق الإنزال الشهيرة “هيغينز” المستخدمة في إنزال النورماندي.
وسيتولى "كونراد شيبيارد"، الذي يضم خمسة أحواض بناء ويشغّل نحو 1100 عامل، إنتاج السفن الجديدة باستخدام خطوط إنتاج مؤتمتة وتقنيات لحام متقدمة، ما يسمح ببناء عدة سفن بالتوازي وتقليص زمن التصنيع.
وتعتزم الشركة تسليم السفينة الأولى هذا العام، ثم الانتقال إلى الإنتاج المتسلسل بمعدل يتراوح بين 10 و20 سفينة سنوياً، في خطوة تعكس سعي البحرية الأمريكية إلى تعزيز قدراتها اللوجستية في بيئة بحرية تتسم بالمخاطر المتزايدة.
وبينما كانت سفن “ليبرتي” في أربعينيات القرن الماضي رمزاً للتعبئة الصناعية في زمن الحرب، تبدو النسخة الجديدة تجسيداً لتحول نوعي في فلسفة العمليات البحرية، حيث تمتزج السرعة في الإنتاج مع التشغيل الذاتي الكامل، استعداداً لتحديات جيوسياسية متصاعدة في القرن الحادي والعشرين.

