كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأيام الماضية ذكر اسم جزيرة دييغو غارسيا في كلماته، وبدا محتداً وقلقاً من تمهيد بريطانيا التخلي عن الجزيرة وفق اتفاقية استئجار طويلة المدى مع موريشيوس. فقد لعبت الجزيرة دوراً حيوياً في الضربات الأمريكية على إيران الصيف الماضي، حيث تتشارك أمريكا مع حليفتها بريطانيا في استخدام الجزيرة منطلقاً لعمليات رصد ومراقبة لخطوط الملاحة البحرية، وهي توفر لأمريكا موطئ قدم في المحيط الهندي، حيث عين على إيران وأخرى على طريق الصين البحرية.
ترامب لم يتردد في تحذير بريطانيا من أن سعيها للتخلي عن الجزيرة "وصمة عار" ستلاحق المملكة المتحدة، وقال إن دولة لا يعرف اسمها (موريشيوس) تطالب بها!
من المرجح أن لدى الأمريكيين خطط لإعادة انتشار عسكرية تكون هذه الجزيرة محوراً لعمليات مستقبلية بدلاً من التواجد وسط المناطق المتوترة في الشرق الأوسط ومحيطه. فما هذ هذه الجزيرة؟ وما الذي تمثله في لعبة الأمم؟
أهمية استراتيجية
بعيداً عن العواصم الصاخبة ومسارات الطيران المزدحمة، يمتد أرخبيل تشاغوس كقوسٍ من الجزر المرجانية المعزولة بين لجج المحيط الهندي. يبدو الأرخبيل الوادع للوهلة الأولى، فردوساً طبيعياً خارج حسابات السياسة، لكنه تحوّل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الجغرافيا الاستراتيجية العالمية، حيث تغفو على ضفاف جزيرته الكبرى التي تعرف باسم "دييغو غارسيا"، قاعدة عسكرية تُعد من أهم المنصات اللوجستية والعسكرية للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ويتشابك تاريخها مع واحدة من أعقد قضايا تصفية الاستعمار في العصر الحديث.
الطبيعة الجغرافية للأرخبيل هي سر أهميته؛ فموقعه الاستراتيجي وسط بين شرق أفريقيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط، تفصل ينها وبينه مساحات بحرية واسعة ومحيط يصعب اختراقه. هذه العوامل جعلت دييغو غارسيا منصة مثالية للإمداد البحري والدعم العملياتي بعيداً عن مراكز التوتر السكاني. وتشير مواد رسمية للبحرية الأمريكية إلى دور منشأة الدعم البحري في دييغو غارسيا كمرفق لوجستي أساسي لخدمة الأساطيل البحرية بحسب موقع البحرية الأمريكية الرسمي.
تتألف جزر تشاغوس من سبع جزر مرجانية ونحو ستين جزيرة متناثرة في المحيط الهندي، كأنها حفنة من الأصداف ملقاة على سطح بحر أزرق شاسع. تقع جزيرة سالومون، أقصى جزرها المرجانية شمالاً، على بعد 286 ميلاً بحرياً جنوب جزر المالديف. مكانٌ معزول وغير معروف، يتطلب الاعتماد على الذات وتقبّل البعد الشاسع عن أي مكان آخر.
ذاكرة السيادة
القصة تبدأ باتفاق سياسي أُبرم في ذروة الحرب الباردة، وتحديداً في ديسمبر 1966، حين أبرمت بريطانيا والولايات المتحدة اتفاقاً عبر تبادل مذكرات بشأن "إتاحة إقليم المحيط الهندي البريطاني لأغراض دفاعية"، وهو الاتفاق الذي أرسى الأساس القانوني لإنشاء القاعدة. وقد وثّقت الأمم المتحدة نص الاتفاق ضمن سجلاتها الرسمية. لكنّ إنشاء “إقليم المحيط الهندي البريطاني” نفسه كان نتيجة فصل أرخبيل تشاغوس عن موريشيوس قبيل استقلالها، وهو القرار الذي سيصبح لاحقاً محور نزاع دولي واسع.
بين عامي 1968 و1973، جرى إبعاد سكان تشاغوس الأصليين عن جزرهم في سياق التحضير لاستخدام دييغو غارسيا عسكرياً، وهو ما أكدته تقارير بحثية صادرة عن البرلمان البريطاني. هذا التهجير فتح ملفاً قانونياً وأخلاقياً لم يُغلق حتى اليوم. ففي عام 2019، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً خلص إلى أن فصل تشاغوس عن موريشيوس عام 1965 كان غير قانوني، وأن على المملكة المتحدة إنهاء إدارتها للإقليم "في أسرع وقت ممكن".
كما تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 73/295 الذي دعا بريطانيا إلى إنهاء إدارتها للإقليم، في خطوة اعتُبرت تحوّلاً في ميزان الشرعية الدولية، بحسب موقع حكومة موريشيوس الرسمي.
وفي مايو 2025، شهد الملف تطوراً لافتاً بتوقيع اتفاق بين المملكة المتحدة وموريشيوس يعيد السيادة على الأرخبيل إلى موريشيوس، مع إبقاء دييغو غارسيا مؤجرة للقاعدة العسكرية لفترة أولية تمتد 99 عاماً، مع إمكانية التمديد. وقد نُشر نص الاتفاق رسمياً على موقع الحكومة البريطانية.
وبحسب مذكرة مجلس العموم البريطاني، ستحتفظ المملكة المتحدة بحقوق تشغيلية كاملة على "دييغو غارسيا" لأغراض القاعدة، في حين يُتاح لموريشيوس تنظيم إعادة توطين السكان في بقية الجزر باستثناء الجزيرة التي تضم المنشأة العسكرية.
جدل البيئة
عام 2010، أعلنت المملكة المتحدة إنشاء محمية بحرية حول تشاغوس، وهو ما أثار نزاعاً قانونياً أمام محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، بعدما طعنت موريشيوس في الخطوة معتبرة أنها تمس حقوقها السيادية. وقد سُجلت القضية رسمياً ضمن ملفات المحكمة، بحسب الموقع الرسمي لمحكمة التحكيم الدائمة. وهنا يتقاطع البعد البيئي مع السياسي؛ فهل كانت الحماية البيئية غايةً خالصة، أم أداةً لإدارة النزاع؟ هذا السؤال ظل مطروحاً في الأوساط القانونية والدبلوماسية.
أما استراتيجياً، فتبقى دييغو غارسيا عنصراً محورياً في معادلة الأمن البحري في المحيط الهندي. بموقعها الذي يتيح تغطية مساحات واسعة من خطوط الملاحة العالمية، ويدعم عمليات عسكرية عبر مسارح متعددة دون الاعتماد على قواعد قريبة من مناطق النزاع.
قوس أزمات
تعرف القاعدة في الأوساط العسكرية بأنها "حاملة طائرات ثابتة" في قلب المحيط الهندي، والقلب النابض للعمليات العسكرية الأمريكية والبريطانية بفضل عزلتها الجغرافية التي تمنحها حصانة عملياتية فريدة. تضم هذه الجزيرة المرجانية مدرجاً ضخماً يتجاوز طوله 3.6 كيلومترات، ما يجعلها منصة انطلاق مثالية للقاذفات الاستراتيجية العابرة للقارات مثل B-52 وB-2 الشبح، إضافة إلى بحيرة داخلية عميقة تعمل كميناء طبيعي محمي لاستقبال الغواصات النووية وحاملات الطائرات.
قدرة القاعدة على العمل كمركز لوجستي للإمداد المسبق يتيح لواشنطن توجيه ضربات سريعة في "قوس الأزمات" الممتد من شرق أفريقيا إلى جنوب آسيا، دون الحاجة للاعتماد على قواعد في دول قد تفرض قيوداً سياسية في لحظات الحروب الحرجة.
ومع ذلك، فإن هذه القوة العسكرية الفائقة تظل محاطة بجدل تاريخي وقانوني عميق ناتج عن التهجير القسري لسكان أرخبيل شاغوس الأصليين في السبعينيات، وهو ما جعل الجزيرة محوراً لنزاع سيادي طويل الأمد أمام المحاكم الدولية. وقد أفضى هذا التوتر مؤخراً إلى اتفاقية عام 2025 التي حاولت حل المعضلة عبر نقل السيادة رسمياً إلى جمهورية موريشيوس، مع تأمين بقاء القاعدة تحت الإدارة المشتركة لمدة 99 عاماً لضمان استقرار العمليات الدفاعية العالمية.
هكذا، تظل دييغو غارسيا نموذجاً حياً للتناقض المعاصر في السياسة الدولية؛ حيث تلتقي أحدث تكنولوجيات الردع العسكري مع قضايا العدالة الدولية وإنهاء الاستعمار، لتبقى هذه النقطة النائية "العين التي لا تنام" لمراقبة توازنات القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين.





