لم يعد الصراع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووسائل الإعلام مجرد حرب تصريحات أو اتهامات بـ «الأخبار الكاذبة»، بل تحوّل خلال ما انقضى من ولايته الثانية إلى معركة قانونية شاملة. وإذا كانت ولايته الأولى قد اتسمت بتهديدات لفظية ودعاوى غالباً ما كانت ترفضها المحاكم، فإنه انتقل في الثانية إلى مرحلة «التقاضي الملياري»، مستهدفاً القواعد المالية والتحريرية للمؤسسات الكبرى، في أمريكا وخارجها.
ولعل حجم اللعب في الملعب القضائي وسيد البيت الأبيض، بلغ مستويات غير مسبوقة. فقد استخدم ترامب سلاح القضاء والتهديد به فيما لا يقل عن 325 مناسبة علنية، واللافت أنها ارتفعت من 110 تهديدات في سنوات ولايته الأولى الأربع، إلى 215 تهديداً صريحاً في عام واحد من ولايته الثانية، وهو يخوض حالياً معارك تطالب بتعويضات تفوق 70 مليار دولار، نجح منها بالفعل في انتزاع تسويات نقدية بلغت 89 مليون دولار.
ترامب رفع تاريخياً نحو 20 دعوى قضائية كبرى ضد مؤسسات إعلامية، منها خمس قضايا ضخمة لا تزال في أروقة المحاكم ضد «نيويورك تايمز» و«وول سيتي جورنال» و«بي بي سي» و«موين ريجستر» و«مجلس جائزة بوليتز».
التحرير والمونتاج
في ولايته الثانية، ابتكر الرئيس الأمريكي نمطاً جديداً من القضايا حيث استهدف «الخط التحريري» للمخرجين والصحافيين، معتبراً أن أي تعديل في حديثه تزوير يستوجب تعويضات هائلة. ولعل قضية شبكة «سي بي سي نيوز، مثال على أضخم ملاحقة في تاريخ التلفزيون، حيث رفع سقف مطالبته إلى 20 مليار دولار في فبراير 2025، متّهماً برنامج «60 دقيقة» بتحريف إجابات منافسته في الانتخابات الرئاسية كامالا هاريس، لـ «تلميع صورتها»، ما أجبر شركة «باراماونت» المالكة للشبكة على تسوية دفعت بموجبها 16 مليون دولار في يوليو 2025 لتجنّب صدام قانوني قد يعرقل صفقات اندماجها.
ولم يتوقف الأمر عند الحدود الأمريكية، بل امتد ليشمل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، حيث رفع ترامب دعوى في ديسمبر 2025 بمطالبة قدرها 10 مليارات دولار، متّهماً وثائقي «بانوراما» بالتلاعب بجدول زمني لخطابه في 6 يناير لإظهاره محرّضاً على العنف.
التشهير والانتخابات
ولطالما اعتبر ترامب تقارير الصحف الكبرى هجوماً على شخصه أو «إمبراطوريته التجارية». ففي مطلع عام 2025 انتزع ترامب تسوية بقيمة 15 مليون دولار واعتذاراً رسمياً من شبكة «إيه بي نيوز»، بعد ملاحقة قانونية للمذيع جورج ستيفانوبولوس.
وصعّد من ملاحقته لصحيفة «نيويورك تايمز»، حيث رفع دعوى في سبتمبر 2025 تطالب بـ 15 مليار دولار، متّهماً إياها بالعمل كبوق سياسي يهدف لخفض قيمة أسهم شركته للإعلام «دي جي تي». وفي يناير 2026، قام بتوسيع هذه الدعوى لتشمل تعويضات إضافية عن نشر «استطلاعات رأي مضللة».
وتضاف إلى هذه السلسلة دعوى بـ 10 مليارات دولار ضد «وول ستريت جورنال»، بسبب تقارير تناولت علاقاته التاريخية بجيفري إبستين، وهي قضايا تهدف في جوهرها إلى خلق تكلفة باهظة لأي تقرير استقصائي يتناول ماضي الرئيس.
على السياق ذاته، اتخذ ترامب من «الانتخابات» مبرراً لملاحقة الصحافة المحلية، كما حدث في دعواه ضد صحيفة «ديس موينز ريجستر» بتهمة «الاحتيال» في استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات، معتبراً أن «التضليل الإحصائي» جريمة تدخل انتخابي.
وفي سياق متصل، استمرت ملاحقته لمجلس جائزة بوليتزر لسحب جوائز عام 2018 الممنوحة لتقارير «التدخل الروسي» المزعوم في الانتخابات الأمريكية، متّهماً المجلس بالمشاركة في التشهير المستمر به.
أما على صعيد «الكتب المسربة»، فقد واصل ملاحقة الصحافي بوب وودوارد والناشرين الذين «استغلوا تسجيلات صوتية من دون إذن»، مهدّداً كل من يحاول تحويل «أسرار البيت الأبيض» إلى أرباح تجارية بملاحقات تقضي على تلك الأرباح قبل تحقيقها.
الأسرار والخصوصية
وتحت عنوان أسراره الشخصية وخصوصيته المالية، برزت ملاحقة ترامب لوزارة الخزانة وصحيفة «نيويورك تايمز» في يناير 2026 كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث طالب بتعويض قدره 10 مليارات دولار متهماً الطرفين بـ «التآمر» لتسريب إقراراته الضريبية لعام 2020، ما فتح باباً قانونياً شائكاً حول حدود ملاحقة الصحف التي تنشر معلومات مسرّبة.
وبالتوازي مع ملاحقته المستمرة للصحافي بوب وودوارد بشأن حقوق الملكية الفكرية لتسجيلاته الصوتية، لم يكتفِ ترامب بساحات القضاء؛ بل وظّف لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) لشن 8 تحقيقات عقابية استهدفت القنوات المعادية، تزامناً مع قراره الصادم في يوليو 2025 بقطع تمويل فيدرالي قدره 1.1 مليار دولار عن أهم مؤسسات الإعلام العام في البلاد، وهما الإذاعة الوطنية العامة (NPR) وخدمة البث العام (PBS).
سياسة مثمرة
لم تتوقف هذه الضغوط الشاملة عند حدود العقاب، بل أثمرت عن مكاسب مادية مباشرة، حيث نجح ترامب في انتزاع 57 مليون دولار من عمالقة التقنية «ميتا» و«غوغل» و«إكس» لتسوية دعاوى قديمة حول حظر حساباته، ليرتفع بذلك إجمالي حصيلة انتصاراته المالية في عام واحد إلى 89 مليون دولار.
وتشير بيانات ميدانية مطلع عام 2026 إلى أن استراتيجية ترامب بدأت تؤتي ثمارها في تغيير سلوك الإعلام. فخوفاً من الدعاوى المليارية، بدأت شبكات كبرى مثل «سي بي إس»و «إن بي سي» في التخلي عن أساليب المونتاج التقليدية، وأصبحت تميل لبث لقاءات ترامب «خام» لتجنب تهمة التلاعب.
وأثبتت تسويات بارامون وديزني أن الشركات الإعلامية العملاقة باتت تنظر للدعاوى القضائية كـ «تكلفة ممارسة أعمال»، وتفضّل دفع ملايين الدولارات لضمان عدم تعثر صفقات اندماجها، أو تعرضها لانتقام تنظيمي من البيت الأبيض.
ومع قطع تمويل الإعلام العام وتقليص وصول الوكالات الكبرى مثل «إي بي»، لمصادر المعلومات، أصبح المشهد الإعلامي أكثر حذراً، حيث يخشى رؤساء التحرير تخصيص موارد لملاحقة قصص قد تؤدي لإفلاس المؤسسة قانونياً.
القضاء المضاد
وحتى تكتمل صورة هذه المواجهة، لا بد من النظر إلى الطرف الآخر في «حلبة المحاكمة»؛ فبينما يسدد ترامب ضرباته المليارية، تضج المحاكم الأمريكية بنحو 650 دعوى قضائية مضادة رفعتها مؤسسات حقوقية وإعلامية ضد سياسات إدارته.
في الأسبوع الأخير من فبراير 2026، رفض القاضي في فلوريدا تأجيل دعوى الـ 10 مليارات دولار ضد «بي بي سي»، مطلقاً عملية «الكشف عن الأدلة» التي تستهدف المراسلات الداخلية للشبكة البريطانية والمتعلقة بتغطية أخبار ترامب، بالتزامن مع فتح جبهة جديدة ضد «آبل نيوز» لتهديد خوارزمياتها بتهمة التحيز الممنهج ضد المنصات الإعلامية المحافظة.
وفي المقابل، ردت «الولايات الزرقاء» بلكمة قانونية مضادة عبر دعوى رفعتها ولايات كاليفورنيا وكولورادو ومينيسوتا في 11 فبراير الحالي، لمنع تجميد تمويل صحي بـ 600 مليون دولار وُصف بـ «الانتقام السياسي»، تزامناً مع ملاحقة إدارة ترامب لجامعة هارفارد لإجبارها على تسليم بيانات القبول، في خطوة يراها القانونيون ملاحقة للمؤسسات الأكاديمية التي تنتقد سياسات الإدارة، في حين أصرت «نيويورك تايمز» على مواجهة دعوى الـ 15 مليار دولار.
هذا المشهد الذي يمزج بين «المونتاج المزور» و«تجميد التمويل» يؤكد أن ترامب لا يزال «بطل المحاكم» الذي حول الإعلام من مراقب للسلطة إلى طرف يصارع من أجل بقائه المالي والمهني تحت وطأة الرقابة الذاتية الوقائية.
