شائعٌ في اللغة اليومية للأمريكيين قولهم: “Perfect is the enemy of good”؛ أي إن السعي إلى الكمال قد يتحول عدواً لما هو ممكن ومتاح. غير أن هذه الحكمة، حين تنتقل من الإدارة إلى المجال العسكري، تكتسب خطورة مضاعفة؛ فهي تتجاوز كونها مجرد خيار تنظيمي، لتصبح مقامرة على الزمن نفسه، فحين تُبنى الاستراتيجيات على افتراض أن الحرب لن تقع قبل 2030 مثلاً، يغدو المستقبل مبرراً لترك الحاضر ناقصاً.
هذه هي المفارقة التي تطل اليوم من قلب التفكير الدفاعي الأمريكي؛ فالاستعداد لحرب كبرى محتملة مع الصين، مقرونٌ بتأجيلات طويلة لبرامج حاسمة، بدعوى انتظار بدائل “أفضل” وأكثر دقة تقنياً. وبين “الجيد المتاح” و“المثالي المؤجَّل”، تتشكل فجوة زمنية قد لا يرحمها الواقع.
حلم واستعداد
تتعامل الإمبراطوريات عادةً مع الخطر من موقع فائض القوة، فائض يمنحها شعوراً بأن الوقت في صفها، وأن الخصوم سيلتزمون بإيقاعها البطيء، وهنا يتسلل ما يمكن تسميته "الغرور الإمبراطوري"، وهو الاعتقاد بأن التاريخ سيمنح القوة العظمى فسحة إضافية لتكتمل مشاريعها.
لكن التاريخ نادراً ما يتيح ذلك الترف؛ فالحروب الكبرى لا تقع غالباً حين تكون القوى في ذروة جاهزيتها، بل حين تلتقي الصدفة مع سوء التقدير. لذلك يصبح السعي إلى “الكمال العسكري” نوعاً من الهروب إلى الأمام، حيث يُؤجَّل الممكن اليوم بحجة المأمول غداً.
الردع ليس وعداً
الردع، في جوهره، ليس إعلان نوايا ولا خطط تطوير بعيدة المدى.. الردع هو الحضور؛ ما يمكن تشغيله الآن، لا ما ستصنعه بعد عقد. الخصوم لا تُردَع بالمشروعات، بل بالقدرة الفعلية القائمة حالاً. ومن هنا فإن تقليص الاستثمار في أنظمة فعّالة بحجة انتظار بدائل مستقبلية قد يخلق فراغاً استراتيجياً.
هذه الفكرة تتجسد بوضوح في الولايات المتحدة عبر ملف الإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً (AWACS)، بحسب موقع "شؤون دولية". فعلى الرغم من أنها أقل إثارة من المعدات الأخرى، إلا أن طائرات "أواكس" تكتسب أهمية هائلة للدفاع الوطني. ولعل هذه الطائرات هي التي حسمت نتيجة المواجهة بين باكستان والهند في مايو الماضي، حيث أسقطت طائرات وصواريخ جو-جو صينية مقاتلة "رافال" فرنسية الصنع تتفوق عليها اسمياً.
استطاعت باكستان استخدام أنظمتها من "الدرجة الثانية" بفاعلية أكبر من المتوقع عبر الاستعانة بطائرات "أواكس"، التي حددت الأهداف ووجهت الصواريخ نحوها قبل أن يتمكن الطيارون الهنود من الرد.
يشير هذا إلى أنه في حال اندلاع صراع بين الصين والدول الغربية، فإن القوات الجوية الأكثر فاعلية ستكون تلك التي تمتلك طائرات "أواكس" متفوقة. ومع وضع ذلك في الاعتبار، ليس من المستغرب أن تبني بكين من هذه الطائرات أكثر من أي جهة أخرى على كوكب الأرض. ومن المثير للقلق بشدة أن الولايات المتحدة توقفت عن الاستثمار في هذه القدرة تماماً؛ فهي لم تشترِ طائرات "أواكس" إضافية منذ عقود، وأسطولها المتقادم يتقلص مع تآكل قطع الغيار. ويأتي هذا الإهمال، جزئياً على الأقل، لأن طائرات "أواكس" تمثل مزيجاً إشكالياً؛ فهي باهظة الثمن وسهلة الإسقاط في آن واحد، وقد أدت المخاوف بشأن فقدان هذه الأنظمة المكلفة إلى منطق "انهزامي" حول فرص بقائها في الحرب، مما عرقل جهود شراء المزيد منها.
يسعى البنتاغون لتجنب نقاط ضعف طائرات "أواكس" عبر استبدالها بتقنيات الأقمار الصناعية المستقبلية، لكن ينبغي الحذر من هذه الجهود؛ فحتى لو تمكنت الأقمار الصناعية المستقبلية من مضاهاة قدرات "أواكس" -بل وحمايتها من التدابير المضادة للأقمار الصناعية التي تستثمر فيها الصين بكثافة- فإن هذا التحول يترك سؤالاً جوهرياً: ماذا لو احتجنا إليها قبل أن تكون جاهزة؟ إن شراء المزيد من طائرات "أواكس" على المدى القصير هو الحل المؤقت الأكثر وضوحاً للاستعداد لحرب مبكرة، والكونجرس يضغط بحق في هذا الاتجاه.
هناك خيار آخر قد يكون أقل وضوحاً لكنه يوسع قدرات "أواكس" على الفور مع معالجة مسألة "القدرة على البقاء"، وهو إعادة استخدام طائرات "إم كيو-9 ريبر" (MQ-9 Reaper) المسيرة. ويجري حالياً تطوير نظام رادار جديد لهذه المنصة، ما قد يمنح أهمية جديدة لمئات الطائرات التي استحوذت عليها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب.
فقدان طائرة "أواكس" في القتال يعني فقدان أرواح طاقمها ومئات الملايين من الدولارات، أما طائرة "ريبر" فلا يوجد على متنها أفراد، وسعرها معقول نسبياً (عشرات الملايين). إن المزيج بين الطائرات التقليدية وطائرات "ريبر" يقدم إجابة شافية لاحتياجات نظام "أواكس" في السنوات القادمة.
حلول مؤقتة
على غرار "أواكس"، أدت هشاشة حاملات الطائرات إلى إعادة تفكير الجيش في نهجه تجاه الصين، ومرة أخرى، تهدد التوقعات غير الواقعية قدرات الردع لديه. تكمن جذور المشكلة في الرؤية التي تقول إن الحاملات ستحتاج إلى البقاء بعيداً عن أهدافها لتجنب الصواريخ الباليستية الصينية. هذه المشكلة تظهر بوضوح في المقاتلة "إف-35 سي" (F-35C) - وهي طائرة شبح لم تصمم لاستخدام خزانات وقود خارجية مثبتة على الأجنحة، والتي من شأنها توفير مدى أفضل لكنها ستلغي خصائص التخفي (الشبحية) لديها.
حل البحرية للحاجة إلى طائرة شبح طويلة المدى هو تطوير "إف/أيه-إكس إكس" (F/A-XX)، وهي مقاتلة شبحية جديدة تماماً تعمل من فوق الحاملات وبسعة وقود أكبر من "إف-35 سي". ويبدو هذا نهجاً آخر يتجاهل خطر الحرب في المستقبل القريب.
بناء الطائرات المقاتلة بطيء دائماً وأكثر كلفة في بداية العملية، ما يعني تسليم عدد أقل من الطائرات عما لو تكاتفت ميزانية البحرية على خطوط الإنتاج التي اكتسبت بالفعل زخماً. الموارد اللازمة لكل طائرة "إف/أيه-إكس إكس" يمكن أن تغطي على الأرجح تكلفة عدة طائرات "إف-35"، حيث أصبح تصنيع الأخيرة فعالاً بشكل ملحوظ. وبالفعل، تشير "إف-35" نفسها إلى هذا التوجه؛ فبالرغم من بدايتها المشهورة بتضخم التكاليف والتأخير، إلا أن البرنامج تعزز منذ ذلك الحين بوفورات الحجم وعقود التصدير، وانخفضت تكلفة الوحدة بنسبة الثلثين. وبالتعلم من الحروب الماضية بين الدول الكبرى، فإن إنتاج كمية ضئيلة من الأسلحة نادراً ما يكون مبرراً دون وجود هوامش تحسين استثنائية. من المؤكد أن "إف/أيه-إكس إكس" ستتفوق على "إف-35"، لكن كلتيهما تتفوقان بالفعل على الطائرات الصينية، لذا يجب على البحرية الأمريكية أن تتردد في التضحية بالكمية من أجل زيادة طفيفة في الجودة.
ومع ذلك، دون طائرة جديدة، تحتاج البحرية إلى طريقة أخرى لتوسيع مدى مقاتلاتها الشبحية العاملة على الحاملات. وبدلاً من المراهنة على "إف/أيه-إكس إكس"، يجب عليها محاولة زيادة مدى طائرات "إف-35" التي تُنتج بكميات كبيرة بالفعل.
يمكن تحقيق ذلك بسهولة من خلال أنظمة تزويد بالوقود جوياً أفضل مثل الطائرة المسيرة "إم كيو-25 ستينغراي" (MQ-25 Stingray)، المخطط دخولها الخدمة العام القادم. وبينما قد تواجه طائرات التزويد بالوقود التقليدية صعوبة في البقاء في الأجواء المعادية، فإن "ستينغراي" تمثل هدفاً أسرع وأصغر وأقل تكلفة.
كما يمكن لـ "ستينغراي" توسيع مدى طائرات أخرى تؤدي أدواراً مختلفة، مما يجعلها أكثر مرونة من "إف/أيه-إكس إكس". خيار آخر هو تجهيز "إف-35" بخزانات وقود خارجية منخفضة البروز، والتي كانت قيد التطوير لسنوات لاستخدامها في "إف-22 رابتور"، لكن يمكن تكييفها للمقاتلتين.
أما الاحتمال الثالث والأكثر طموحاً فيأتي من دارولد كامينجز، المهندس البارز السابق في شركة "نورثروب جرومان": وهو تعديل طائرة "إف-35" نفسها. لقد شرح كامينجز جدوى ذلك بالتفصيل، بما في ذلك خطة لإعادة تكوين الأجنحة وجسم الطائرة لاستيعاب وقود أكثر بنسبة 30%، مع تجنب التغييرات الجذرية في بقية التصميم. إن طائرات التزويد بالوقود المسيرة، وخزانات الوقود الشبحية، وتعديل "إف-35"، هي حلول أقل "أناقة" من برنامج واحد يجمع كل هذه المزايا، لكنها ستنجز المهمة بسرعة، وتسبب اضطراباً أقل لخطوط الإنتاج الحالية.
عدو داخلي
المشكلة ليست في الطموح، لكنها في ثقافة القرار. فالدول الحديثة، ببيروقراطيتها الثقيلة، تميل إلى تحسينات لا تنتهي، ومراجعات متكررة، وتعديلات هامشية تؤجّل التنفيذ حتى يتحول المشروع نفسه إلى عبء. عندها يصبح “الكمال” ذريعة إدارية، بدل كونه رؤية استراتيجية.
ثمّة بُعد أعمق في هذه الظاهرة؛ يتمثل في اليقين بالتكنولوجيا المستقبلية، حيث تتصرف مؤسسات كبرى وكأن الجيل المقبل من الأنظمة سيحل كل شيء؛ الأقمار الاصطناعية ستعوض الطائرات، والمقاتلات الجديدة ستعالج فجوات المدى، والذكاء الاصطناعي سيُعيد تعريف الحرب.
أقل كلفة
تثير البدائل المسيّرة سؤالاً أخلاقياً وسياسياً في آن واحد؛ حين تقلّ الخسائر البشرية، هل يصبح قرار الحرب أسهل؟ وهل تتحول الحرب إلى معادلة اقتصادية باردة؟ هذا التحول يغيّر معنى الردع ذاته، ويستدعي نقاشاً أوسع حول طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين. عموماً الأزمة ليست تقنية، بل أزمة تصور زمني؛ هل يُنظر إلى الخطر بحسب مداه الزمني (عاجل أم مؤجل؟) هل يُدار الأمن أو بمعنى آخر (الردع) باعتباره حضوراً آنياً أم وعداً لاحقاً ؟ رفض “الجيد” اليوم انتظاراً لـ“المثالي” غداً قد يبدو عقلانياً في عالم الشركات، لكنه في عالم الأمن القومي رهانٌ على الوجود نفسه.
