خلاف ترامب وماكرون.. نهاية «رقصة التانغو»

في عالم السياسة، ليست التصريحات مجرد كلمات عابرة، بل قد تكون مؤشرات على صدامات مرتقبة، وتحولات في السياسة الخارجية، حيث إن السجال العلني بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كشف بوضوح أن الخلافات بين واشنطن وباريس لم تعد محصورة خلف الأبواب المغلقة، بل باتت تُدار على الملأ، وبأدوات سياسية واقتصادية متداخلة، بإعلان انتهاء «رقصة التانغو»،

ومن الواضح أن محاولة اللملمة عبر الصلات الشخصية، لم تصمد أمام حجم الخلافات المصيرية حول أوروبا، أو الحروب التجارية وغيرها. فما كان أمس هَمْساً، صار خصاماً واضحاً وخلافاً حاداً على مرأى ومسمع من الجميع. أسبابه رفض الخضوع لترامب،حيث كشف السجال تحولات السياسة الأوروبية نحو الاستقلالية، بعلو صوت فرنسا عالمياً، لكن هل يصمد ذلك أمام ترامب؟.

بينت  الأزمة الأخيرة في العلاقة بين ترامب وماكرون، عن نهاية وهم طويل في أوروبا، مفاده أن القوة الأمريكية يمكن ترويضها بالمجاملة والإعجاب المتبادل، بدل مواجهتها بتوازن استراتيجي حقيقي.تصدر الخلاف بين ترامب وماكرون قمة دافوس، واتخذ منحىً شبه شخصي بين الرئيسين حول غرينلاند، كعنوان جديد للتباينات المتزايدة بين ضفتي الأطلسي.

أزمة ماكرون مع ترامب، لا تعكس فشل علاقة شخصية، بقدر ما تكشف نهاية وهم أوروبي قديم، بأن القوة الأمريكية يمكن ترويضها.

الفتور خيّم على علاقة الرجلين منذ بداية ولاية ترامب، بدفع من تغريدات قوية وتصريحات نارية. وازداد دونالد ترامب انتقاداً لإيمانويل ماكرون، إلى درجة لم يتوانَ عن التنديد بـ «غبائه». والتنمر على نظاراته في منتدى  دافوس، وكشف فحوى محادثات سرية بين الجانبين، في محاولات لإذلاله،

وكان رد ماكرون صارماً، بالتنديد بالتنمر والتركيز على ضرورة الاحترام المتبادل.

ويبدو أن الصوت الفرنسي الأعلى أوروبياً، هدفه إبراز الدور التاريخي لفرنسا، في دعم أمريكا أثناء حربهم مع البريطانيين ما بين 1775 و1883، حيث دعا في أكثر من مناسبة، إلى مواجهة السياسات الأمريكية الجديدة، وحث الدول الأوروبية على التكتل للدفاع عن مصالحها، والعمل على استقلالها الدفاعي، واتخاذ القرارات السيادية بشأن القضايا محل الخلاف الدولي.

لكن دونالد ترامب، الحريص على إخضاع أوروبا لخيارته، لا تعجبه نبرة ماكرون الحادة، حيث إنه حريص على انتقاذه في أية مناسبة، إذ يبدو أن اسم «ماكرون» يحضر سريعاً، كلما أمسك «ترامب» الميكروفون،

فلا تمر مناسبة تقريباً دون إشارة، مباشرة أو غير مباشرة، إلى الرئيس الفرنسي، في مشهد سياسي لا يخلو من طابع طريف، يلفت الأنظار قبل العناوين.

تباعد في الرؤى

السجال علني بين ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، عكس تباعداً متجدداً في الرؤى بين ضفتي الأطلسي، وأثار تساؤلات حول مستقبل الشراكة بين واشنطن والعواصم الأوروبية..

مشهد يعكس مرحلة دقيقة من العلاقات الأمريكية الأوروبية، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع حسابات النفوذ والقيادة العالمية، ويعكس تبايناً عميقاً في الرؤى داخل المعسكر الغربي، خاصة بشأن دور الناتو، ومستقبل العلاقات الاقتصادية، وحدود النفوذ الأمريكي في أوروبا والمناطق الاستراتيجية الحساسة.

ففي الوقت الذي يريد فيه إيمانويل ماكرون الحفاظ على مستوى الحوار، يقوم ترامب بإحراج الرئيس الفرنسي علناً. يقلد ترامب بانتظام لهجة ماكرون في ظهوره العلني، ما يجعله هدفا للسخرية.

وجاءت صرخة ماكرون من قلب منتدى دافوس الاقتصادي، لتضع العلاقات عبر الأطلسي على فوهة بركان. فبينما اختار قادة أوروبيون لغة التهدئة، قرر ماكرون خوض «مبارزة» علنية، مؤكداً أن فرنسا وأوروبا لن تقبلا بدور «التابع» في عالم يحاول البعض تحويله إلى ساحة بلا قواعد.

وقال إن قبول «استعمار جديد» لا معنى له. وأضاف: «نحن نفضل الاحترام على التنمر، وقانون الدولة على القسوة». ت

تسريب محادثة

وفي خطوة أثارت استياءً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية، أقدم ترامب على نشر أجزاء من محادثات خاصة جمعته بماكرون، في محاولة لإظهار تناقض الموقف الفرنسي، الأمر الذي اعتبرته باريس خرقاً للأعراف الدبلوماسية، وتصعيداً غير مسؤول.

وشهدت الأيام الماضية لهجة أمريكية لاذعة تجاه ماكرون، حيث لم يكتفِ ترامب بانتقاد مواقف الرئيس الفرنسي، بل لجأ إلى السخرية العلنية، والتقليل من شأنه، واصفاً إياه في تصريحات إعلامية ومنشورات على منصات التواصل، بأنه «يهوّل الأمور»، و«يتحدث أكثر مما يفعل»، في إشارة إلى اعتراض باريس على التحركات الأمريكية المرتبطة بغرينلاند.

وقال ترامب وهو يخاطب النخب العالمية في المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي بالمنتجع الجبلي السويسري: «شاهدته بالأمس بتلك النظارات الشمسية الجميلة. ما الذي حدث بحق الجحيم؟».

وذكر مكتب ماكرون أنه اختار ارتداء النظارة الشمسية الداكنة العاكسة، خلال خطابه الذي ألقاه في مكان مغلق، لحماية عينيه بسبب انفجار بأحد الأوعية الدموية.

وقال ترامب، رداً على سؤال صحافي حول رفض ماكرون الانضمام إلى مجلس السلام «ليس مضطراً للانضمام إذا كان سيغادر منصبه قريباً جداً».

وظهر ترامب وهو يقلد صوت الرئيس الفرنسي، قائلاً إن ماكرون رضخ تماماً لمطالبه بشأن ملف أسعار الأدوية الشائك.

ووفقاً لرواية ترامب، فإن التهديد كان سلاحه الوحيد لإجبار ماكرون على رفع أسعار الأدوية في فرنسا، حيث هدده بفرض ضرائب جمركية قاسية على المنتجات الفرنسية الشهيرة.لم يعلق قصر الإليزيه على تصريحات ترامب الأخيرة، ولكن مصدر في الإليزيه كان قد علق الشهر الماضي على تصريحات مماثلة لترامب، ونفى من خلالها رفع أسعار الأدوية في فرنسا.

خلافات قديمة

وغني عن القول إن خلافات ترامب وماكرون قديمة، حيث واجه الرئيس الفرنسي عائقاً غير متوقع عند خروجه من مقر الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر الماضي، إذ أجبر على الانتظار بسبب مرور موكب ترامب.

وقبلها، انتشرت مصافحات عديدة «وغير مريحة» بين الثنائي، في قمة شرم الشيخ، وفي البيت الأبيض، حيث يحاول ترامب إظهار هيمنته على ماكرون في العديد من المناسبات بمصافحته الغريبة، لكن الرئيس الفرنسي يحاول مقاومة تلك الطريقة، في ما يبدو أنها محاولة لإظهار «تماسك» باريس في وجه الضغوط الأمريكية.

كما أنه في عام 2018، زرعت شجرة في حدائق البيت الأبيض، رمزاً للصداقة بين ماكرون وترامب. لكنها تلفت بعد فترة قصيرة، تزامناً مع بدء توتر العلاقة بينهما.