جُبل الإنسان بفطرته على الانجذاب إلى قوة البيان وسحر الكلمة؛ فهي الوسيلة الأقدم والأعمق للتأثير والإقناع. وتظل السياسة الميدان الأبرز الذي تتجلى فيه قدرة الخطيب على توجيه أتباعه، وبلورة وعوده لهم، وصياغة طموحاتهم في قوالب لغوية تمنحهم الشعور بالثقة واليقين.
في هذا الميدان الواسع، لم يكن معيار قوة الخطاب بطوله وكثرة الكلام فيه، بل بقدرته على إنتاج جملة واحدة تخلد في التاريخ؛ جملة تُقال في لحظة فاصلة، لتتحول إلى ذاكرة شعب وتاريخ أمة، ومفتاح لفهم مرحلة زمنية بأكملها.
يقدّم عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون مفتاحاً نظرياً بالغ الأهمية لفهم سرّ الجمل التي تصنع التاريخ وتبقى في وجدان الشعوب. فبحسب لوبون، لا تُقاس قوة الكلمة بدقّتها، بل بغموضها المحسوب؛ إذ إن الكلمات الفضفاضة مثل، «الأمة»، «الشعب»، «العار»، و«العدالة» هي الأقدر على التعبئة، لأنها لا تُقيِّد المتلقّي بمعنى واحد، بل تترك لكل فرد أن يملأها بتجربته ومخاوفه وآماله. ولهذا تبدو الكلمة الواحدة وكأنها تخاطب الجميع في آنٍ واحد، رغم أنها لا تقول الشيء نفسه للجميع.
يذهب لوبون إلى أن الكلمة التي تحتاج إلى شرحٍ مطوّل هي كلمة فاشلة جماهيرياً؛ أما الكلمة الناجحة فهي التي تُحدث أثراً نفسياً فورياً قبل أن تُفهم عقلانياً. من هنا كانت عبارات مثل «إنه يوم عار» أو «سيد غورباتشوف: اهدم هذا الجدار» أبلغ تأثيراً من أي تقرير عسكري أو تحليل أيديولوجي مطوّل. بل إن لوبون يصف هذه الكلمات بأنها تؤدي وظيفة قريبة من «التعاويذ»؛ تُردَّد وتُستعاد وتُستحضر في الأزمات، حتى تتحول إلى مفاتيح نفسية جاهزة، وما إن تُقال حتى يتوقف الجدل، ويفسح المجال للفعل. فالجملة الخالدة في تصوره، لا تشرح الواقع، بل تُغلق باب التردد وتفتح باب الحركة والفعل. ولهذا لا يتذكر التاريخ الخطباء بقدر ما يحتفظ بالعبارات التي اختزلت عصراً كاملاً ونقلته نقلة نوعية، وقالت ما كان الناس يشعرون به دون أن يستطيعوا صياغته، وظهرت في لحظة كانت الجماهير مهيّأة نفسياً لاستقبالها.
عبارات كثيرة خلدها التاريخ، نتناول بعض أشهرها في القرنين الأخيرين في هذه العجالة، كوثائق لزمنها، ونقرؤها في سياقها التاريخي، ذلك أن فهم التاريخ لا يقتضي أحياناً قراءة مئات الصفحات، بقدر التأمل طويلاً في سطر واحد.. قال كل شيء.
روزفلت: يوم العار
لم تكن جملة إنَّ “السابع من ديسمبر 1941 هو يوم عار”، التي قالها فرانكلين روزفلت بعد هجوم بيرل هاربر، جملة عابرة في خطاب ملؤه الغيظ والحنق، بقدر ما حمل من شحنات الوعيد لليابان. لقد تجلت قوة العبارة إعلامياً في أنها اتخذت عنواناً فورياً (مانشيت) بلا حاجة إلى شرحٍ طويل، ونقلت الجمهور من منطقة الصدمة إلى اليقينٍ بضرورة الرد من باب الواجب الوطني. لقد حفزت العبارة الصادمة إلى التعبئة؛ فسهّلت على الناس قبول تكاليف الحرب، لأنهم انتقلوا من سؤال: “ماذا حدث؟” إلى سؤال: “ما الذي يجب أن نفعله؟”.
بقيت العبارة علامةً على قدرة الخطابة في لحظة الأزمة على إعادة تعريف الحدث في ذاكرة الأمة: فلم يعد “هجوم بيرل هاربر” فقط، بل أصبح “يوم العار” بما يحمله من شحنةٍ قيمية تُلازم الواقعة في الكتب والخطب اللاحقة.
كينيدي: أنا برليني
في برلين الغربية (1963) صنع جون كينيدي عدستين من جملتيه الشهيرتين في خطابه الأشهر في أتون الحرب الباردة؛ "أنا برليني".. و"دعهم يأتون إلى برلين"؛ المقطع الأول أعلن التضامن الشخصي فأزال المسافة بين الزعيم الغربي والجمهور الألماني المحاصر؛ فيما حول المقطع الثاني برلين إلى "حُجّةٍ مرئية" ضد الدعاية الشيوعية. كانت تلك تقنية إعلامية قبل أن تكون بلاغة، حيث ربط الفكرة بصورةٍ قائمة (جدار برلين)، بحيث تصبح الرسالة قابلة للبثّ والاقتباس والتكرار دون أن تفقد معناها.
منحت العبارة جمهوراً يعيش القلق اليومي شعوراً بأنّه ليس وحده، وأنّ حصاره صار "مركز العالم" لا هامشه؛ وهذا يولّد صلابة نفسية تتجاوز أثر الخطاب السياسي المباشر. كما وضعت الجملتان الحرب الباردة في قالبٍ إنسانيّ؛ في صورة حريةٌ تُختبر على جدار، لا في تقارير باردة.
ريغان: اهدم هذا الجدار
رونالد ريغان لم يقدّم مطالعةً مطوّلة في الاقتصاد السياسي للاتحاد السوفييتي؛ لقد اختصر الصراع في فعلٍ واحد: "اهدم". لقد وضعت هذه العبارة غورباتشوف أمام اختبارٍ أخلاقي وهو يشاهد ريغان يخطب عند (بوابة براندنبورغ وجدار برلين في خلفيته). كما منحت قوة الجملة المقموعين "إذناً معنوياً" بالأمل، والمتفرجين قصةً بسيطة مفادها؛ إذا كانت الإصلاحات صادقة، فلتظهر في أكثر رموز القمع وضوحاً وهو جدار برلين.
لم يُهدم الجدار في اليوم التالي، لكن العبارة أدّت وظيفة "التأطير اللاحق"؛ فعندما سقط الجدار بعد ذلك بسنوات قليلة، عاد العالم إلى الجملة بوصفها نبوءةً سياسية أو على الأقل توقيعاً لغوياً على خواتيم مرحلة. وهنا نتبيّن كيف يمكن لجملة واحدة من خطابٍ طويل أن تعيش أطول من سياق الخطاب نفسه، لأنّه يلخّصه في لقطة.
مانديلا: لن يحدث أبداً
لم يكن تكرار كلمة "أبداً" في خطاب نيلسون مانديلا بعد نهاية "الأبارتهايد" زخرفةً إنشائية؛ بل كان أشبه بعق اجتماعي جديد يُقرأ على الهواء. إعلامياً، لم يأت التكرار للتأكيد فقط، بل لصناعة إيقاعٍ يسهل حفظه وترديده، ويُشبه في بنيته قَسَماً جماعياً أكثر منه تصريحاً سياسياً.
قدمت العبارة ما تحتاجه المجتمعات الخارجة من القهر؛ وهو الوعد المطلق بعدم العودة، وتحويل الألم المتراكم على مر السنين إلى قاعدةٍ تأسيسية للدولة الجديدة.
اكتسبت الجملة قوتها من كونها لم تتحدث عن انتصار طرفٍ على آخر، بل اختصرت كل الحديث بإغلاق بوابة زمنٍ كامل؛ لتعود عند كل مخالفة أو تهديد.
كارني: إذا لم تكن على الطاولة
وصلنا إلى الجملة الأخيرة من الجمل التي يمكن اعتبارها تاريخية قبل حتى أن تمر عليها أيام، وهي جملة قالها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ضمن خطابه التاريخي في المنتدى الاقتصادي العالمي الشهير في دافوس(2026) ، وقد لخصت جملته تلك ما وصلت إليه السياسة الدولية بلغةٍ قاسية تُشبه الأمثال الشعبية، لكنها في الحقيقة من أدقّ ما قيل عن ميزان القوة: "إذا لم تكن من الجالسين على الطاولة.. فأنت حتماً على قائمة الطعام".
اعتبرت العبارة "صادمة"؛ حيث نقلت العلاقات الدولية من قاموسٍ نخبوي له جمله الرنانة من قبيل: "نظام دولي"، "قواعد"، "توازنات" إلى تشبيهات تصويرية بدائية يفهمها الجميع: "طاولة"، قائمة طعام"، ومنتهاها أن الدول بين خيارين؛ فإمّا أن تكون لاعبة في هذا المضمار الجديد الذي يحاول الرئيس الأمريكي نقل العالم إليه، وإمّا أن تكون فريسة.
لم تمض أيام على تلك العبارة؛ لكنها دخلت التاريخ من أوسع الأبواب، حيث اعتبرت شاهداً على انتقال العالم بين زمنين، أو انتقال بين نظامين، بعبارة بسيطة (العالم لم يعد كما كان)، وسوف تستعاد دائماً للدلالة على فترة سريالية يمر بها العالم، في جوهرها تذكيرٌ بأن السياسة، مهما تجمّلت، لعبة يضع الأقوياء قوانينها.
سؤال بديهي
مع نهاية هذا السرد، يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي؛ لماذا، على الرغم من فيض خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعفويتها واستفزازها الدائم، لم تُنتج هذه الخطابات جملة واحدة تستحق أن يتوقف عندها الناس، أو تهز وجدانهم أو تُحفظ في الذاكرة التاريخية بالمعنى الذي حفرت به عبارات روزفلت أو كينيدي أو مانديلا مكانها في الوعي الجمعي؟
الإجابة لا تتعلق بقدرة ترامب على إثارة الجدل، بل بطبيعة خطابه الآني الصادم، تُقال لتُحدِث أثرًا فوريًا، أو لتكسب جولة إعلامية، أو لتستفز خصمًا سياسيًا، تفتقر إلى العمق الدبلوماسي والحنكة السياسية، ناهيك عن الوجداني والإنساني.. إنها جُمل تملأ الفضاء، لكن سرعان ما تذوب في زخم الأخبار اليومية.





