لم تعد قضية غرينلاند محصورة في نطاق الجدل الجيوسياسي أو التصريحات السياسية الرمزية، بل انتقلت سريعاً إلى حيز الضغط الاقتصادي المباشر. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على عدد من الدول الأوروبية، قبل أن يصعّد الموقف لاحقاً بإعلانه رفع هذه الرسوم إلى 25% اعتباراً من الأول من يونيو، رابطاً القرار صراحة بملف غرينلاند.
هذا التحول يكشف أن النزاع لم يعد مجرد نقاش حول جزيرة نائية في القطب الشمالي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقوة التحالفات الدولية، واستخدام التجارة كسلاح سياسي داخل المعسكر الغربي نفسه.
ومن هذه الزاوية، أعادت تصريحات ترامب فتح ملف كان يُعدّ، حتى وقت قريب، من المسلّمات الجيوسياسية المغلقة: هل يمكن لقوة عظمى أن توظّف أدواتها التجارية والعسكرية معاً للضغط على دولة حليفة داخل حلف شمال الأطلسي؟ وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل النظام الغربي القائم على الشراكة لا الإكراه؟
تتمتع غرينلاند بموقع استراتيجي فريد يجعلها إحدى العقد الأساسية في الجغرافيا العسكرية الحديثة. فهي تشرف على فجوة غرينلاند (آيسلندا) المملكة المتحدة التي تعرف اختصاراً بـ(GIUK)، وتُعد من أهم ممرات العبور بين القطب الشمالي وشمال الأطلسي، وتؤدي دوراً محورياً في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي.
وللولايات المتحدة حضور عسكري قائم في الجزيرة منذ عقود، عبر قاعدة "ثول" الجوية، التي تشكّل جزءاً من منظومة الفضاء والإنذار الصاروخي. ومع تراجع الجليد القطبي وتسارع التنافس الدولي في الشمال، ولا سيما مع روسيا والصين، باتت غرينلاند في الحسابات الأميركية أكثر من مجرد إقليم ناءٍ، لتتحوّل إلى بوابة استراتيجية لمعادلات المستقبل.
من الزاوية العسكرية البحتة، يرى مراقبون أن أي تحرك أميركي محتمل للسيطرة على غرينلاند لن يأخذ شكل الغزو التقليدي. فلا إنزال بحرياً واسعاً، ولا معارك برية كبرى. السيناريو المرجّح، إن طُرح، سيعتمد على السيطرة السريعة على البنية التحتية الحيوية: المطارات، الموانئ، الاتصالات، ومفاصل الإدارة.
الجزيرة شاسعة المساحة، محدودة السكان، والقوات الدنماركية الموجودة فيها ضئيلة للغاية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الميدان العسكري، بل في البيئة القاسية، والتعقيدات اللوجستية، ثم، وهو الأهم، في التداعيات السياسية والدبلوماسية التي ستترتب على خطوة كهذه.
حقيقة واحدة
رغم تاريخها العسكري النشط ضمن التحالفات الغربية، تتجلى حقيقة لا شك فيها، وهي أن الدنمارك لا تمتلك القدرة على الدفاع عن غرينلاند دفاعاً مستقلاً، فقواتها المسلحة صغيرة الحجم، عالية الاحتراف، ومصمّمة للعمل ضمن أطر جماعية، لا لخوض مواجهات كبرى منفردة.
ويقوم الحضور الدنماركي في غرينلاند في جوهره على الإدارة والسيادة القانونية أكثر من كونه حضوراً دفاعياً صلباً، وأي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة ليست خياراً واقعياً، ما يترك أمام كوبنهاغن أدوات محدودة، أبرزها التصعيد الدبلوماسي، واللجوء إلى حلف شمال الأطلسي، والمنصات الأممية.
اختبار وجودي
الخطر الأكبر في هذا السيناريو لا يكمن في احتلال جزيرة، بل في ما قد يترتب عليه داخل حلف شمال الأطلسي. فالحلف، بطبيعته، لا يملك آليات لمعالجة نزاع بين دولتين عضوين فيه. وإذا أقدمت الولايات المتحدة، بوصفها القوة المحورية في الحلف، على خطوة أحادية ضد دولة عضو، فإن الأساس الذي تقوم عليه الثقة المتبادلة سيتصدع في العمق.
السؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كان الناتو قادراً على الرد، بل ما إذا كان سيحتفظ بمعناه ووظيفته إذا لم تعد القوة الأكبر فيه ملتزمة بقواعده غير المكتوبة، وبفكرة أن التحالف يحكم استخدام القوة، لا العكس.
اعتماد متبادل
في خضم التصعيد الخطابي الأوروبي الرافض لأي نيات أميركية محتملة تجاه غرينلاند، تبرز مفارقة لافتة تتجلى في استمرار اعتماد الدنمارك، وغيرها من الدول الأوروبية، على السلاح الأميركي، بما في ذلك أنظمة تسليح متقدمة تُقرّها واشنطن نفسها.
هذا التناقض يطرح أسئلة محرجة؛ إذا كانت أوروبا ترى في الولايات المتحدة تهديداً محتملاً، فلماذا تظل معتمدة عليها في أمنها وتسليحها؟ وإذا كانت واشنطن تفكر فعلاً في فرض إرادتها بالقوة، فلماذا تواصل تسليح حلفائها؟
يرى بعض المراقبين أن هذا التناقض يعكس حقيقة أعمق؛ الغضب الأوروبي سياسي ورمزي أكثر منه غضب استراتيجي، ويعبّر عن إدراك متزايد بتراجع القدرة الذاتية على الفعل من دون المظلة الأميركية.
أزمة نظام
في المحصلة، لا تتعلق هذه السجالات بغرينلاند وحدها، بل بأزمة أوسع تطال بنية النظام الدولي الغربي نفسه. فالتصريحات الأميركية، سواء أكانت أدوات ضغط أم تعبيراً عن قناعات، تكشف هشاشة منظومة التحالفات حين تصطدم بمنطق القوة الصرفة.
غرينلاند، في هذا السياق، ليست هدفاً بقدر ما هي اختبار لقدرة أوروبا على الدفاع عن سيادتها، ولاستعداد الولايات المتحدة لاحترام حدود القوة، ولاختبار صلابة نظام دولي بُني على افتراض أن الحلفاء لا يهددون بعضهم بعضاً.
