هل تقترب حرب أوكرانيا من فصلها الأخير؟

بوتين وترامب في قمة ثنائية سابقة
بوتين وترامب في قمة ثنائية سابقة

تدخل الحرب في أوكرانيا منعطفاً استثنائياً قد يعيد رسم ملامح المشهد الجيوسياسي؛ مع عودة «صانع الصفقات» الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مسلحاً بوعد انتخابي جريء: «إنهاء الحرب بسرعة»، وطي صفحة أحد أكثر الصراعات استنزافاً للغرب، حيث أعلن أن اجتماعاً سيعقد في السعودية الأسبوع المقبل بين مسؤولين أمريكيين وروس كبار ستشارك فيه أوكرانيا. وسنرى ما إذا كان بإمكاننا إنهاء هذه الحرب.

الخطوة، التي بدا أنها مفاجئة للبعض، لم تخلُ من دلالات استراتيجية؛ خصوصاً مع مسارعة ترامب للإعلان عبر منصته «تروث سوشيال» عن التوافق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إطلاق مفاوضات مباشرة، وإشراك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في العملية.

ومع هذا الزخم الدبلوماسي، لا تزال روسيا متمسكة بمكاسبها الميدانية والسياسية، وهو ما ألمح إليه بوتين خلال مكالمة استغرقت 90 دقيقة، وفق الكرملين، شدد فيها على ضرورة معالجة الجذور العميقة للصراع، أي ليس مجرد البحث عن تسوية شكلية.

وفي ظل تلك المعادلة، تبرز تساؤلات كبرى: هل يتحرك ترامب نحو صفقة تُرسّخ انتصاراً لموسكو، أم أنه يسعى لانتزاع اتفاق يعيد للولايات المتحدة زمام المبادرة؟

سيناريوهان

وقال أستاذ ومدير دراسات أوروبا الوسطى بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، روبرت إنجلش، لـ«البيان»، إن أحد السيناريوهات المحتملة هو أن ترفض روسيا أو أوكرانيا الموافقة على الصفقة التي يحددها ترامب، وأنه غير قادر على إقناعهما. في هذه الحالة، قد تستمر الحرب لمدة تسعة أشهر أخرى أو عام قبل انهيار أحد الجانبين.

السيناريو الثاني والأكثر ترجيحاً - في تقدير إنجلش - هو أن ينجح ترامب، وستقبل أوكرانيا بحزن وقف إطلاق النار الذي يترك معظم الأراضي التي استولت عليها روسيا في أيدي بوتين، والذي يؤخر أيضاً عضوية الناتو لمدة 15 عاماً على الأقل. وسيتباهى ترامب بقدرته على صنع الصفقات، فيما سيصوت الأوكرانيون لإخراج فولوديمير زيلينسكي مع بدء معركة سياسية مريرة في كييف.

ويشير عالم السياسة الأمريكي إلى أنه من المحتمل أن تضطر أوكرانيا إلى قبول العديد من مطالب روسيا، وعليه فمن المؤكد أن بوتين سيعلن النصر، على الرغم من أن الثمن الإنساني والاقتصادي الذي تدفعه روسيا مرتفع للغاية ولا تشعر آلاف الأسر الروسية بالنصر.

وفي سياق متصل، يعتقد أستاذ ومدير دراسات أوروبا الوسطى بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، بأنه في الأمد القريب، سيساعد اتفاق السلام «الأمن الأوروبي».

ويرى أن دول الاتحاد الأوروبي تعاني اقتصاديا بسبب تكلفة المساعدات المقدمة لأوكرانيا، واللاجئين الأوكرانيين، وأسعار الطاقة المرتفعة، ولذا فإن وقف هذا النزيف من شأنه أن يساعد في تعافيها الاقتصادي. وفي الأمد البعيد، يضع ترامب معظم عبء الأمن الغربي على عاتق الأوروبيين، لذا ما لم يجدوا المزيد من المال للدفاع فإن أمنهم سوف يعاني.

تطورات مفاجئة

التطورات الأخيرة فيما يتعلق بالموقف الأمريكي شكّلت مفاجأة نسبية لأوكرانيا «ومن غير الواضح ما إذا كانت القيادة في كييف قد أُبلغت بالتغييرات الأخيرة في السياسة الخارجية لإدارة الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس ترامب»، وفق نائبة رئيس الكونسورتيوم الأوروبي للأبحاث السياسية، أستاذة العلوم السياسية جامعة فيكتوريا، الدكتورة إيمي فيردان.

والتي تقول لـ«البيان» إن أوكرانيا يبدو أنها «قد تحتاج إلى النظر في ما إذا كانت ستقبل أي صفقة تأتي من تلك المفاوضات»، مشددة على أن معظم تمويل المجهود الحربي جاء من الولايات المتحدة. وإذا كانت تلك الدولة لا تريد تمويل المجهود الحربي، فقد يكون من الصعب على دول أخرى أن تملأ الفراغ.

وتضيف: «تحتاج أوكرانيا إلى التأكد من أنها تتفاوض بشكل جيد مع الولايات المتحدة؛ للتأكد من أنها تشرح ما هي الخطوط الحمراء لها.. ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كان هناك مسار واقعي نحو تسوية دون إعطاء شيء لموسكو.. ويبدو أن أوكرانيا قد تضطر إلى التنازل عن شيء ما.. وهذا يعني أن موسكو قد تنتهي إلى بعض المكاسب الاستراتيجية من الحرب».

تعتقد الدكتورة فيردان، بأن «الآثار المترتبة على السماح لروسيا بالفوز ببعض الأراضي والتنازلات لن تكون كبيرة على الأمن الأوروبي، وبدأ الأوروبيون يدركون هذا الإدراك الجديد.. فقد تمكنت دول البلطيق من تحرير نفسها من الطاقة الروسية».

ويُعتقد على نطاق واسع بأن تفاقم كلفة الخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة خلال السنوات الثلاث منذ فبراير 2022 وحتى الآن من شأنها تحفيز مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا.

بينما تتخذ روسيا موقفاً متشدداً قبيل أي محادثات، لجهة مطالبة حلف الناتو بالتراجع عن معظم انتشاره بعد الحرب الباردة في أوروبا الشرقية. كما تصر على أن تعترف أوكرانيا بضمها لأربع مناطق في جنوب شرق البلاد، والتي لا تسيطر عليها بالكامل.

ضمانات أمنية

من موسكو، يقول المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية، ديمتري بريجع لـ«البيان»، إن السيناريو الذي ينطوي على مفاوضات قد تنتهي بالاعتراف بالمقاطعات الأربع التي سيطرت عليها روسيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، يظل ممكناً، لكن من غير المرجح أن يحدث في المرحلة الأولى. ويعتقد بأن المرحلة الأولية ستكون مرحلة بناء العلاقات.

حيث ستشهد اللمسة الأولى بين الولايات المتحدة وروسيا، مع التركيز على إزالة جزء من العقوبات المفروضة على الاقتصاد الروسي في عام 2014 وبعد عام 2022، لافتاً إلى أن «العلاقات الروسية الأمريكية دائماً ما كانت متقلبة ومتغيرة، ولا شك أن الحقبة المقبلة ستشهد تحولاً نحو العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين».

في هذه المرحلة، ستستعيد الولايات المتحدة علاقاتها مع روسيا، وتعود الشركات الأمريكية إلى السوق الروسية، بينما ستستعيد الشركات الروسية مكانتها على الساحة الدولية، وفق بريجع. أما بالنسبة للأزمة الأوكرانية، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً في تقديره على المدى القصير هو «تجميد الصراع».